السبت 4 أبريل 2020 08:36 م

مزايدة في الأسعار واختلاس و"حرب" على الطلبيات وعمليات سرية لأجهزة المخابرات، ما يشهده السباق العالمي للحصول على أقنعة واقية ضد فيروس كورونا "كوفيد-19" بين مختلف الدول، ما تسبب في انهيار قواعد النزاهة والمنافسة التي كانت تحكم المبادلات الاقتصادية العالمية عادة. وباتت "المنافسة والشفافية" ضحيتي هذا السباق.

ودفع تفشي فيروس كورونا بلدان العالم العاجزة عن إنتاج الأقنعة بنفسها بكميات كافية إلى البحث عن مليارات الأقنعة، متوجهة بصورة رئيسية إلى آسيا. وسقطت مع شدة المنافسة قواعد النزاهة التي يفترض أن تحكم المبادلات الاقتصادية العالمية.

فبين أمريكيين "يخطفون" شحنة من الأقنعة الواقية متجهة إلى فرنسا بالمزايدة على سعرها على مدرج مطار صيني، وفرنسيين أو تشيكيين "يستولون" على رزم من هذه المعدات الثمينة، يجري سباق لا يرحم للحصول على أقنعة في ظل اشتداد الكفاح على جميع الأصعدة لمنع تفشي وباء كورونا.

وأفاد الأسبوع الجاري رؤساء مناطق فرنسية أن عملاء أمريكيين غير معروفي الهوية اشتروا شحنة من الأقنعة الواقية طلبتها فرنسا من الصين مباشرة على مدرج مطارات صينية.

ومنهم رئيس منطقة بروفانس-آلب-كوت دازور (جنوب) "رونو موزولييه"، والذي قال: "هناك بلد أجنبي دفع ثلاث مرات ثمن الشحنة على مدرج المطار".

ومنهم أيضا رئيسة منطقة إيل-دو-فرانس (باريس وضواحيها) "فاليري بيكريس"، والتي أكدت: "انتزع منا أمريكيون شحنة أوصينا عليها بالمزايدة على سعرها".

من جهتها، أكدت الحكومة الفرنسية أنها تقوم بضمان أمان إمداداتها نافية أن تكون لديها "تفاصيل" حول مزايدة أمريكية، إذ نفت إدارة "دونالد ترامب" ذلك. لكن المزايدين قد يكونون جهات خاصة أو ولايات فدرالية.

وتجري المنافسة على صعيد العالم أجمع. وأعرب رئيس الوزراء الكندي "جاستن ترودو" الخميس عن "قلقه الكبير" وطلب فتح تحقيق إثر معلومات أوردتها إذاعة "راديو كندا" وأفادت أن شحنة من الأقنعة تم شراؤها من الصين لمنطقة كيبيك سلمت منها كمية أدنى من المتفق عليها بعدما أعيد بيع قسم منها "إلى المزايد الأعلى" أي الولايات المتحدة.

وأوضحت شركة "بولوريه لوجستيكس" للنقل واللوجيستيات العاملة أيضا في الصين: "هناك توتر شديد حول هذه البضائع نتيجة حاجات آنية للدول لا تلقى استجابة سريعة".

البروفسور في جامعة واشنطن "كريستوفر يوكينز" قال إن "أسواق الإمدادات لكوفيد-19 تنهار" والضحيتان هما "المنافسة والشفافية".

أما الباحث "جان سيلفيستر مونغرونييه" من معهد "توماس مور" الفرنسي البلجيكي فأشار إلى أن "الولايات في حالة تسابق لا بل تنافس في ما بينها، هذا ما يعرف في الفلسفة السياسية بـ’الحالة الطبيعية‘"، ومن مواصفاتها "استشراء انعدام الأمان بين الأمم، وصولا إلى حالة فوضى في حال تفكك النظام العام الدولي".

منافسة "مخيفة للحصول على معدات طبية"

وروى النائب الأوكراني "أندريي موتوفيلوفيتس" الذي توجه إلى الصين في مارس/آذار لمواكبة شحنة طبية، على صفحته على بـ"فيسبوك" أنه شهد منافسة "مخيفة للحصول على معدات طبية".

وكتب: "قناصلنا الذين يتوجهون إلى مصانع (صينية) يلتقون هناك زملاء لهم من دول أخرى (روسيا والولايات المتحدة وفرنسا) يريدون الحصول على طلباتنا. دفعنا ثمن طلباتنا مسبقا عبر تحويل مالي ولدينا عقود موقعة. أما هم، فيملكون المزيد من المال نقدا. نتقاتل على كل شحنة".

وقال رئيس منطقة بروفانس-آلب-كوت دازور "رونو موزولييه" إن "التوتر على أشده" في المطارات الصينية وفي محيط المصانع والمواقع اللوجيستية"، مضيفا "اللصوص كثيرون وبأشكال وأنواع مختلفة".

وفي الصين لا يملك سوى قلة من المنتجين تراخيص للتصدير. والذين لا يملكون مثل هذه التراخيص يمرون عبر شركات تجارية لتصدير إنتاجهم، ما يؤدي إلى وجود الكثير من الوسطاء.

وتتسابق العديد من الجهات من دول ومناطق وهيئات خاصة ووسطاء في كل أنحاء العالم، محاولة الالتفاف على بعضها البعض لوضع اليد على هذه المعدات الثمينة، ويبرر هذا الهدف اللجوء أحيانا إلى أجهزة الاستخبارات.

عملية سرية للموساد للظفر بمعدات كشف الإصابة بالفيروس؟

أوردت صحيفة "لو فيجارو" الفرنسية بهذا الصدد أن جهاز الموساد الإسرائيلي قام خلال مارس/آذار بعملية سرية للاستحصال على معدات لكشف الإصابة بالفيروس في بلد لم يتم تحديده.

وكتبت أستاذة القانون العام "لورانس فوليو" في مقال نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية أن "الظرف الحالي يملي التفاوض المباشر والصفقات الثنائية، وهي أدوات مفيدة في الأوضاع الصحية الطارئة، لكنها غالبا ما تقترن كما يمكن توقعه بالمحسوبية واختلاس الأموال والفواتير الملغومة".

وأشارت رئيسة منطقة إيل-دو-فرانس "فاليري بيكريس": "الأمريكيون يدفعون نقدا ودون التدقيق، وهذا يمكن حكما أن يكون أكثر إغراء لجهات كل ما تسعى إليه هو إتمام صفقات على حساب معاناة العالم أجمع".

"وسيط ألماني وصل قبلنا وزايد على السعر واشتراها"

وصرح رئيس الوزراء السلوفاكي السابق "بيتر بيليجريني" لشبكة "تي إيه 3" التليفزيونية في 15 مارس/آذار أن بلاده أوصت على ملايين الأقنعة الواقية من أوكرانيا كان من المقرر دفع ثمنها نقدا.

وتابع: "كنا نعد حقيبة تحتوي على 1.2 مليون يورو. وكان من المفترض أن نستقل رحلة حكومية خاصة للذهاب وتسلم الأقنعة. لكن وسيطا ألمانيا وصل قبلنا وزايد على السعر واشتراها".

وتحصل مثل هذه الأحداث أحيانا داخل الاتحاد الأوروبي حيث حظرت عدة دول أعضاء تصدير معدات طبية أو قامت بعمليات مصادرة، مثل فرنسا.

وأوردت مجلة "ليكسبريس" أن فرنسا صادرت على أراضيها في 5 مارس/آذار أقنعة واقية لشركة "مولنليكي" السويدية للمعدات الطبية، كانت موجهة إلى إسبانيا وإيطاليا.

كما وضعت الجمهورية التشيكية يدها على شحنة أقنعة كان من المفترض أن يسلم قسم منها لإيطاليا.

وأكدت سلطات براج أن عملية المصادرة تقررت "بناء على شبهات حول عمليات غير قانونية وأنشطة إجرامية" لكنها تعهدت بإرسال "كمية موازية من المعدات بأسرع ما يمكن" إلى إيطاليا، وفق ما أكدت السفارة التشيكية في باريس.

 

المصدر | أ ف ب