الاثنين 6 أبريل 2020 02:20 م

بالرغم من تعرضها لواحدة من أشد حالات تفشي الفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19" في العالم، بالتوازي مع أزمة اقتصادية طاحنة، لا يبدو أن إيران تخلت عن سياساتها الإقليمية.

وحافظ وكلاء إيران، لا سيما قوات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، على مواقفهم في النزاعات المحلية، بل وكثفوا العمليات.

وبالنسبة لجيران إيران من دول الخليج العربي، ومعظم المجتمع الدولي، فإن هذه الشبكة من المليشيات، التي تقوض وتغتصب سلطة الحكومات المركزية، تكمن في صميم سياسات إيران الإقليمية الخطيرة المزعزعة للاستقرار.

وتسبب دعم الحكومة الإيرانية لجماعات الميليشيات الأجنبية في انتقادات داخلية شديدة من خلال الاحتجاجات السياسية والاقتصادية في الأعوام الأخيرة.

وفي حين جاءت قدرة طهران على تمويل وتسليح هذه الجماعات على حساب الإنفاق الاجتماعي المحلي، خاصة الرعاية الصحية والتعليم، يبدو أن النظام يصر على الالتزام كما كان دائما بهذه الاستراتيجية.

وكانت إدارة "ترامب" قد أطلقت حملة العقوبات تحت اسم "أقصى ضغط" على إيران، التي فرضتها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني، أو خطة العمل المشتركة الشاملة. واعتبرت الإدارة أن الحملة ستجبر طهران على تقليص هذه الأنشطة.

ومع ذلك، حتى بعد تفشي الفيروس التاجي المدمر، استمرت إيران في سياستها. ويشير هذا إلى أنه ليس أقل من اتفاقية إقليمية واسعة أو أزمة نظام أعمق بكثير، هو ما سيقنع إيران بالتخلي عن وكلائها، وهو هدف مهم لدول الخليج العربية والولايات المتحدة و(إسرائيل) وغيرها.

  • تصعيد الحشد الشعبي

ويعد المثال الأكثر إثارة على التزام طهران المستمر باستراتيجية شبكة الميليشيات الإقليمية هو التصعيد الأخير للتوترات بين الولايات المتحدة وفصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران في العراق.

وبعد سلسلة من الضربات والضربات المضادة في عام 2019 وبداية عام 2020، خفت حدة التوتر بعد اغتيال "قاسم سليماني"، قائد "فيلق القدس" الذي ينظم ويشرف على شبكة الميليشيات.

ولم تكن الميليشيات التابعة لطهران في العراق راضية عن نتيجة العمليات الانتقامية غير الفعالة إلى حد كبير ضد أهداف أمريكية في 8 يناير/كانون الثاني.

وربما بدأت الموجة الثانية بهجوم صاروخي ثان على مواقع أمريكية في العراق في 12 مارس/آذار، وأسفرت الضربة عن مقتل جنديين أمريكيين وطبيب بريطاني.

ونُسِبَ الهجوم إلى "كتائب حزب الله"، وهي واحدة من أكبر وأقوى الفصائل العراقية الموالية لإيران في الحشد الشعبي. وكان زعيمها "أبومهدي المهندس"، الذي كان يُنظر إليه على أنه أكبر مسؤول في الحشد الشعبي، قد لقي حتفه في نفس هجوم 3 يناير/كانون الثاني الذي قتل "سليماني".

ولم ينتج عن الانتقام الإيراني في 8 يناير/كانون الثاني، وفقا للمصادر العسكرية الأمريكية، أي قتلى أمريكيين. لكن الهجوم الصاروخي في 12 مارس/آذار أدى إلى مزيد من الانتقام الأمريكي ضد منشآت "كتائب حزب الله".

ومن الواضح دوافع "كتائب حزب الله" لمزيد من الهجمات سعيا للانتقام لزعيمها الراحل، ولكن من المؤكد أن الضوء الأخضر من إيران كان مطلوبا.

ومع استمرار تعليق برنامجها النووي بالرغم من وضع الاحتضار الذي تعاني منه خطة العمل الشاملة المشتركة، تمتلك إيران ورقتي مساومة رئيسيتين مع الولايات المتحدة وأعداء آخرين، بما في ذلك دول الخليج، وهما برنامج الصواريخ البالستية، وشبكتها من المليشيات الطائفية.

وأصبح اعتماد إيران على هذه الميليشيات من أجل الضغط على الولايات المتحدة واضحا بعد عام واحد من حملة عقوبات "أقصى ضغط". وفي العام الأول، سعت إيران إلى عزل واشنطن من خلال التعاون مع أوروبا لإنقاذ الاتفاق النووي.

ولكن عندما بدأت العقوبات تتسبب في خسائر لا يمكن للاقتصاد الإيراني تحملها، تحولت إيران إلى استراتيجية "أقصى مقاومة"، التي اعتمدت بشكل رئيسي على الميليشيات الطائفية الموالية لإيران التي تقوم بمضايقات محسوبة مع درجة معقولة من الإنكار.

ومنذ مقتل "سليماني"، و"المهندس" على وجه الخصوص، واجهت إيران أزمة تتعلق بوحدة فصائل الحشد الشعبي وسيطرتها عليها في العراق.

ويعد خليفة "سليماني" في قيادة فيلق القدس "إسماعيل قاآني" أقل خبرة بكثير من سلفه، ولا يملك طلاقته في اللغة العربية، ولم يثبت بعد فعاليته في إدارة هذه المجموعات المنتشرة وغير المنضبطة.

ومن المحتمل أن تحتفظ إيران بحق النقض "الفيتو" على معظم أعمال "كتائب حزب الله"، لذا فإن فكرة أن هجوم 12 مارس/آذار جاء دون موافقة طهران أمر غير معقول.

ولكن يبدو أن سيطرة إيران الكاملة على الفصائل قد تدهورت بشكل كبير.

علاوة على ذلك، توجد أدلة على التنافس على السلطة والتوترات داخل فصائل الحشد الشعبي. وفي 21 فبراير/شباط، عين قادة قوات الحشد الشعبي "أبو فدك المحمداوي"، زعيم "كتائب حزب الله" الآخر البارز، ليخلف "المهندس" كقائد للشبكة العسكرية لقوات الحشد.

ومع ذلك، وفقا لـ "علي آلفونه"، الاختصاصي البارز في الشأن الإيراني، "كان هناك على الأقل مرشحان جادان آخران من مجموعات أخرى". وتابع "آلفونه" حديثه قائلا: "هناك الكثير من التوتر وعدم الاستقرار داخل الحشد الشعبي".

وقال "آلفونة" إن "من مصلحة إيران تسليط الضوء على المزيد من هجمات الانتقام ضد أهداف أمريكية، لتثبت أن قتل "سليماني" لم يردعها"، مضيفا: "الفصائل التي ترتكب مثل هذه الهجمات لها اليد العليا في التنافس داخل الحشد الشعبي".

ويرى "آلفونه" أن "إيران تأمل في أن تساعد هذه الهجمات أيضا في تعزيز قيادة قوات الحشد الشعبي الجديدة بعد مقتل المهندس، فقبل الهجمات كانت مجموعات الحشد الشعبي في حالة خطيرة من الفوضى".

  • طرد القوات الأمريكية من العراق 

ولا يزال العراق بدون رئيس وزراء مؤكد، ولا يزال برلمانه يواجه ضغوطا لطرد القوات الأمريكية من البلاد؟

وتعد مجموعات الحشد الشعبي نظريا جزءا من المؤسسة الأمنية للحكومة العراقية.

لذلك، فإن الضربات الأمريكية ضد مواقع وقادة الحشد الشعبي، حتى وإن كانت ردا على هجمات، فعادة ما تُواجه بغضب عراقي رسمي واسع النطاق.

ويشعر حتى السياسيون العراقيون المتعاطفون مع الغرب والمتشككون في نوايا إيران، بضرورة انتقاد الهجمات الأمريكية.

وعقب الهجمات الأمريكية في يناير/كانون الثاني، صوت البرلمان العراقي بأغلبية ساحقة على طرد جميع القوات الأجنبية من البلاد، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها تستهدف الولايات المتحدة في المقام الأول.

ومع ذلك، لم يصبح الإجراء ساري المفعول، ويفضل العديد من القادة العراقيين بقاء القوات الأمريكية في العراقلمنع عودة ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" وتوسع الهيمنة الإيرانية.

ومع ذلك، تحاول إيران، رغم الدمار الاقتصادي والمعاناة بفعل الفيروس التاجي، تأمين مكاسبها ومصالحها في العراق.

ويرى "آلفونه" أن إيران تستطيع تحمل تكلفة أجندتها في العراق، خاصة وأن الحكومة العراقية تدفع إلى حد كبير نفقات قوات الحشد الشعبي على أساس أنها تحت سيطرة الحكومة.

وفي هذه الأثناء، تخسر طهران أيضا مكانتها في سوريا، حيث تؤكد روسيا هيمنتها بشكل متزايد. ولا تستطيع إيران، في ظل الظروف الحالية، تحمل تكرار التوتر بين روسيا و"حزب الله" في سوريا

علاوة على ذلك، يبدو أن الفيروس التاجي والأزمة الاقتصادية يزعزعان النظام داخل إيران. ويحتاج النظام في الداخل والخارج على حد سواء إلى أي انتصار بسرعة.

ويفسر هذا المزيج من العوامل تجدد الهجمات ضد أهداف أمريكية في العراق، وقد يتبعها المزيد. وفي منتصف مارس/آذار، أعلنت ميليشيا طائفية عراقية جديدة مؤيدة لإيران، تسمى "رابطة الثوار"، مسؤوليتها عن الهجمات الأخيرة، وتعهدت بشن مزيد من الهجمات و"العمليات الاستشهادية" ضد القوات الأمريكية والمصالح المرتبطة بالولايات المتحدة في العراق.

وردا على ذلك، تعهدت الولايات المتحدة بالانتقام، وقامت بتركيب بطاريات صواريخ باتريوت جديدة في العراق، فيما دمجت قواتها في عدد أقل من قواعد العمليات المتقدمة.

  • العقوبات الأمريكية 

ومع ذلك، لا يزال هدف النظام الإيراني على المدى المتوسط ​​هو شق طريقه للخروج من الحفرة الخانقة من عقوبات "أقصى ضغط" الأمريكية.

ويعتقد نظام طهران أنه يحتاج إلى أداة عسكرية لتحقيق ذلك، وأنه لن يكون ممكنا بدون نفوذه الإقليمي. وبعيدا عن إقناع إيران بالتخلي عن مثل هذه الاستراتيجية، يبدو أن الضغط الإضافي من الفيروس التاجي أدى إلى تكثيف إلحاح طهران لتحرير نفسها من العقوبات. فيما تزيد حرب أسعار النفط بين روسيا والسعودية المشاكل الاقتصادية لإيران.

باختصار، يواجه النظام الإيراني عاصفة كاملة من الضغوط الداخلية والخارجية، التي تقيد خياراته وتقوض موقفه الاستراتيجي.

وبالتالي، كان لهذه الأزمات تأثير عكسي لما توقعه بعض مسؤولي إدارة "ترامب". فبدلا من إقناع إيران بحماقة استراتيجيتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار، ربما أقنعت إيران بضرورة الالتزام بتلك الاستراتيجية.

وهذا صحيح بشكل خاص، بالنظر إلى أن "حزب الله" في لبنان الذي يعتمد الآن في الغالب على التمويل الذاتي، وربما يكون الحوثيون في اليمن أكثر استقلالية، وتتعهد حكومة بغداد إلى حد كبير بتأمين مجموعات الحشد الشعبي العراقية.

وإذا كانت دول الخليج والولايات المتحدة و(إسرائيل)، تأمل في توقف إيران عن دعم المليشيات الطائفية في الدول العربية المجاورة، فحتى الضغط الشديد الذي تتعرض له طهران من العقوبات و"كورونا" غير كافٍ.

وفي الواقع، ربما يشجع كل هذا النظام الإيراني على اعتبار دعمه لقوات الحشد الشعبي ضروريا للدفاع عنه. لذلك، فإما أن يكون هناك ضغط أكبر بكثير، أو يصبح من الضروري إجراء تفاهم جديد مع إيران لتحقيق هذا الهدف الحيوي.

المصدر | حسين ايبش - معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد