الأربعاء 8 أبريل 2020 03:13 م

في زيارة أخيرة إلى ليبيا، قابلت أسرة تعيش في مأوى في مخيم للنازحين شرقي طرابلس. وهي واحدة من عشرات الآلاف من الأسر الليبية التي شردتها الحرب.

وكانت الأسرة، المكونة من 7، تعيش في غرفة لا يتجاوز عرضها 20 قدما. وازدحمت الغرفة بحبل للغسيل وكومة من المراتب وطبق ساخن، وامتلأت برائحة العرق. وفي الخارج، واجهوا نقصا في مياه الشرب وإهانة من السكان المحليين.

وسوف يكون لانتشار الفيروس التاجي الجديد "كوفيد-19" تأثير مدمر على مجتمعات اللاجئين والمهاجرين في الشرق الأوسط. ويسلط هذا الوباء الضوء على عجز الشرعية والحكم في الأنظمة الشرق أوسطية التي تزداد اضطرابا.

ويمكن للنجاح في تجاوز أزمة الصحة العامة والاستجابة الاقتصادية السريعة أن تعزز الحكم الاستبدادي من قبل هذه الأنظمة، ولكن ليس إلى أجل غير مسمى.

وكان الدرس الحاسم من الانتفاضات العربية لعام 2011، والاحتجاجات التي اندلعت العام الماضي، هو أنه بدون حكم أكثر شمولا، وأقل فسادا، يتسم بمزيد من الإنصاف الاقتصادي، فإن الأدوات التكنوقراطية والقسرية ما هي إلا تدابير لن تنجح لوقت طويل.

ومن المرجح أن تتزايد مطالب المواطنين في الشرق الأوسط في أعقاب الوباء.

وسيكون التأثير الأكثر إلحاحا للوباء محسوسا في الحروب الأهلية النشطة في المنطقة، في ليبيا واليمن وسوريا.

وكانت البنية التحتية الطبية في ليبيا في عهد "معمر القذافي" ضعيفة بالفعل. وفي الأعوام الـ9 التي تلت سقوط "القذافي"، دمرها الفساد والإهمال وعدة جولات من الحرب الأهلية.

وبدأت المرحلة الأخيرة في أبريل/نيسان 2019، عندما هاجم "خليفة حفتر"، أمير الحرب والحاكم العسكري لشرق ليبيا، العاصمة طرابلس للإطاحة بحكومة "الوفاق الوطني" المدعومة دوليا بقيادة رئيس الوزراء "فايز السراج".

وشهد القتال الذي أعقب ذلك عشرات الهجمات على المرافق الصحية وموظفي الطوارئ من قبل قوات "حفتر". وتفاقم العنف في ليبيا منذ تفشي الوباء، حيث تستغل الأطراف المتحاربة ومؤيدوها انشغال الدبلوماسيين.

واتخذت السلطات السياسية المعارضة في هذه الأرض المقسمة بعض الخطوات المتواضعة، مثل حظر التجول وحظر التجمعات الكبيرة.

لكن الاستجابة لم تكن بالقدر المناسب بسبب المشاكل الاقتصادية المتزايدة الناجمة عن انخفاض أسعار النفط وحصار "حفتر" لموانئ النفط ورغبة النخب في كلا الجانبين في الاستمرار في دفع أجور مقاتليهم.

وتعتمد السلطات السياسية على الجماعات المسلحة، التي يمكنها استخدام أزمة الصحة العامة لتعزيز سلطته. وبالفعل، هددت ميليشيات "حفتر" الأطباء في شرق ليبيا الذين تحدثوا إلى الجمهور بصراحة.

ومن المحتمل أن يعترض قادة الميليشيات المساعدات الطبية الخارجية ويوجهونها بدلا من ذلك إلى مقاتليهم أو يخزنون الإمدادات للبيع في السوق السوداء الليبية.

وقد يؤدي تفشي الفيروس في بلدة واحدة أو مجتمع ما إلى زيادة العنف.

أما الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، ومعظمهم أتى من أفريقيا في محاولة للوصول إلى أوروبا، فهم عرضة للخطر بشكل فريد.

ويعيش المهاجرون في مراكز احتجاز تديرها الميليشيات، ويتحملون العذاب مثل التعذيب والاغتصاب والسخرة. ويجعل انتشار الفيروس القاتل بينهم المعاناة لا توصف.

لكن الأزمة في ليبيا تتضاءل بالمقارنة مع اليمن، أكبر كارثة إنسانية من صنع الإنسان في العالم. وكشفت الحرب في اليمن بالفعل الطبيعة التكافلية بين الحرب والمرض.

وكان تفشي الكوليرا، الأسوأ في التاريخ الحديث، بالكامل تقريبا نتيجة الهجمات على المستشفيات ومرافق المياه والصرف الصحي من قبل التحالف بقيادة السعودية.

كما أفرز القتال مجاعة مرعبة، تاركا معظم الناس في البلاد يعتمدون على واردات الغذاء والوقود الأجنبية. وبالرغم من أن اليمن لم يبلغ عن أي حالات إصابة بالفيروس التاجي، إلا أن ذلك بسبب عدم وجود معدات اختبار وعدم استعداد الفصائل للإبلاغ عن العدوى.

وسوف يجبر انتشار الوباء في اليمن الكثيرين على الاختيار الوجودي بين العدوى أو المجاعة.

وتعثرت جهود تنفيذ وقف إطلاق النار الذي اتفقت عليه الأطراف المتحاربة ومؤيدوها الأجانب في اليمن، واندلعت اشتباكات جديدة متصاعدة.

وكما هو الحال في ليبيا، يبدو أن الوسطاء الخارجيين أكثر تركيزا على تأجيج الحرب بالوكالة أكثر من اهتمامهم برفاهية المواطنين.

وتركت ويلات الحرب آثارها على القطاع الصحي، والتي تشمل نقص الأدوية وفرار المهنيين الطبيين من البلاد. وإذا لم يتم علاج ذلك، فإن انتشار الوباء في جميع أنحاء اليمن، مع تضخمه بسبب كثافة السكان في البلاد، سيزيد من عزلة اليمن وتفككه، وينقل المزيد من السلطة إلى المتمردين والميليشيات.

لكن في سوريا يمكن أن يكون تأثير تفشي "كوفيد-19" مروعا حقا، خاصة بالنسبة لملايين النازحين في البلاد. وكانت الغارات الجوية التي شنها نظام "الأسد" وداعموه الروس قد سوت المرافق الصحية في مناطق المعارضة بالأرض.

وفي محافظة إدلب، آخر المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، يوجد 153 مروحة تهوية لـ3 ملايين نسمة.

ويزيد النقص المتكرر في المياه وكثافة سكان الحضر في سوريا من الخطر. ويمكن أن يموت أكثر من 100 ألف في إدلب وحدها.

ولا ينبغي أن يعتمد المواطنون في جميع أنحاء البلاد على قادتهم؛ فلطالما استخدمت الفصائل المتحاربة الصحة العامة كورقة سياسية وسلاح حرب. ويقبع آلاف السجناء السياسيين الذين سجنهم نظام "الأسد" في خطر شديد.

وكان الاقتصاد السوري لفترة طويلة في حالة من السقوط الحر، وانخفضت الليرة السورية بمعدل كارثي. وقبل تفشي المرض، اندلعت الاحتجاجات في المناطق التي يسيطر عليها النظام بسبب الظروف الاقتصادية ونقص الرعاية الطبية. ومن المرجح أن يتفاقم هذا الأمر.

كما سيتحدى الفيروس قدرات الحكومات التي تبدو مستقرة. ويمكن لملكيات الخليج الثرية أن تتغلب على العاصفة، لكن الرحلة قد تكون وعرة.

وعلاوة على القيود المالية التي يفرضها انخفاض أسعار النفط والغاز، فإن محاولاتها للتنويع في القطاع غير النفطي، في قطاعات مثل السياحة والتجارة والخدمات اللوجستية، تعثرت بسبب التراجع الاقتصادي العالمي.

ولن تكون ملكيات الخليج قادرة على مساعدة الأنظمة الأكثر فقرا التي اعتمدت على سخائها، مثل مصر والأردن والمغرب، التي واجهت احتجاجات حتى قبل تفشي المرض.

ومع ابتعاد المتظاهرين عن الشوارع استجابة لإجراءات الصحة العامة، قد تمنح أزمة الفيروس التاجي هذه الحكومات مزيدا من الوقت.

لكن المتظاهرين يعيدون تجميع أنفسهم ويستعدون لجولة أخرى من الاحتجاجات، الأمر الذي ربما يمثل تحديا أكبر فيما بعد.

وفي تونس، الديمقراطية الوحيدة في العالم العربي، تزيد المخاطر. ويتم ترقب كيف يمكن للحكومة التونسية، التي تتصدى لبطالة واسعة النطاق، وارتفاع تكاليف المعيشة، والغضب العام من الفساد، أن تتعامل مع التداعيات الاقتصادية لتفشي الفيروس، وهو ما يمكن أن يكون اختبارا محوريا للديمقراطية العربية.

وفي جميع أنحاء المنطقة، مع استنزاف خدمات الدولة، يمكن للحوكمة غير الرسمية، التي تشمل المجتمع المدني أو المجموعات القبلية أو الميليشيات أن تسد الفجوة. وهي عملية جارية منذ عقود في لبنان، لكنها تنتشر إلى مناطق النزاع المتعددة في المنطقة، خاصة إلى المناطق الحدودية وبعض المدن.

وما يجعل هذه الصدمة للشرق الأوسط مختلفة وأكثر حدة هو أن فرق الإطفاء المعتادة، المتمثلة في خطة إنقاذ من دول الخليج أو المنظمات الدولية أو القوى العظمى، قد لا تصل هذه المرة.

وربما لا تزال المؤسسات الدولية تلعب دورا، ولكن مواردها المحدودة يستهلكها التفشي العالمي للوباء. وأصيبت أوروبا بجروح خطيرة بسبب الفيروس. وترتفع العدوى والوفيات في الولايات المتحدة بسرعة، وقد تحولت إدارة "ترامب" نحو الداخل.

يتحرك قادة العالم العربي الآن وحدهم. وإذا كان الماضي دليلا، فهذا ليس أساسا للأمل الواسع. ويمكن أن تكون التغيرات الزلزالية ناتجة عن هزات صغيرة في في البداية، خاصة في منطقة يعطلها الركود الاقتصادي والتصلب السياسي والحروب بالوكالة وافتقار الثقة في الوضع الراهن.

وكما يقول المثل العربي القديم "حتى بعوضة يمكنها جعل الأسد ينزف".

المصدر | فريدريك ويري - نيويورك تايمز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد