الجمعة 10 أبريل 2020 02:56 م

لم يدر في مخيلة أحد على وجه الأرض، أيا كانت ديانته، أن يحرم من الذهاب إلى المسجد أو الكنيسة أو أي دار عبادة، جراء تفشي وباء قاتل، لكن ذلك تسبب به فعليا فيروس "كورونا" المستجد (كوفيد 19).

وفرضت الجائحة، وفق توصيف منظمة الصحة العالمية، حظرا إجباريا على العديد من الطقوس والشعائر الدينية حول العالم.

ومن آن لآخر، تتوالى التحذيرات من إمكانية تسبب الشعائر الدينية الجماعية في زيادة انتشار المرض، كما حدث في إيران، حيث تحولت مدينة قم - وهي أهم مركز شيعي في البلاد -، إلى بؤرة لإصابة الآلاف بالفيروس.

وقف الصلاة

تسبب "كورونا" في تعطيل صلاة الجماعة عند المسلمين، ودفع أغلب الحكومات إلى إغلاق المساجد، وإلغاء صلاة الجمعة، لتجنب أية تجمعات قد تسهل من انتشار العدوى.

وأجبر الفيروس السلطات السعودية، على تعليق الصلاة في ساحات الحرمين منذ 18 مارس/أذار الماضي، مع تعليق أداء العمرة، وإغلاق صحن الطواف حول الكعبة لمنع تفشي فيروس "كورونا" بين المصلين والطُّواف.

وقبل 15 يوما من حلول شهر رمضان المبارك، امتد الحظر في مصر، بقرار من وزارة "الأوقاف"، إلى منع صلاة التراويح، والاعتكاف، وموائد الإفطار.

جدل الصوم

لم تتوقف تداعيات "كورونا" عند وقف الصلوات الجماعية فقط، بل امتد إلى فريضة ثانية تعد من أركان الإسلام، وهي صوم رمضان.

وخلال الأيام الماضية، ثار جدل واسع، حول أن ما يسببه الصوم من جفاف في الحلق يمكن أن يتسبب في الإصابة بالفيروس.

وفي محاولة لحسم الجدل، تدخلت لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، لحسم الأمر، مؤكدة وجوب الصوم خلال شهر رمضان.

وأكدت اللجنة، بعد اجتماع عقدته بحضور أطباء وممثلين عن منظمة الصحة العالمية، عدم وجود دليل علمي حتى الآن على وجود ارتباط بين الصوم والإصابة بالفيروس.

وحال امتداد الأزمة إلى شهر مايو/آيار المقبل، من المتوقع أن يطال الحظر صلاة العيد، التي يقصدها أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم. 

إلغاء الحج

ويعد الحج أحد الفرائض الإسلامية المعرضة للإلغاء بسبب كورونا (يحلّ في يوليو/تموز المقبل)، بعد دعوة السلطات السعودية، المسلمين في جميع دول العالم إلى التريث في اتخاذ أي إجراءات حتى تنضح الرؤية أكثر بخصوص جائحة "كورونا".

واستقبلت الأراضي المقدسة في العام الماضي 2019، نحو 2.5 مليون حاج، وهو تجمع بشري ضخم في مساحة صغيرة، قد يكون بؤرة مناسبة لتفشي المرض بين مختلف جنسيات العالم.

ولم يسبق للمملكة العربية السعودية الحديثة أن ألغت الحج، ولكن الموسم تعرض للإلغاء أو التقليص في أكثر من مناسبة سابقة بسبب الأمراض، وخاصة الطاعون.

وقد أفتى الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، "علي القره داغي"، بجواز منع أداء مناسك العمرة والحج "مؤقتا"، في حال انتشار وباء "كورونا".

وأضاف أن "الفقهاء اتفقوا على جواز ترك الحج عند خوف الطريق، بل إن الاستطاعة (لأداء الحج) لن تتحقق إلا مع الأمن والأمان، ولذلك فإن الأمراض الوبائية تعد من الأعذار المبيحة لترك الحج والعمرة بشرط أن يكون الخوف قائما على غلبة الظن بوجود المرض، أو انتشاره بسبب الحج والعمرة".

عيد الفصح

ولم تتوقف تداعيات "كورونا" على شعائر المسلمين فقط، حيث يصادف 12 أبريل/نيسان الجاري، عيد الفصح أو "عيد القيامة"، الذي يحتفل فيه المسيحيون حول العالم.

وألغى الفيروس أغلب فعاليات "أربعاء الرماد" الذي يمثل فترة صوم المسيحيين، والتي تمتد لنحو 40 يوماً، وتشهد لقاءات وصلوات واحتفالات كثيرة.

وطلب أساقفة من الناس أن يستقبلوا القربان المقدس بأيديهم، بدلاً من وضعه في أفواههم، واختار بعض الأساقفة رش الرماد على رؤوس المصلين بدلاً من رسم الصليب على الجبين، كما نصحوا بعدم تقبيل أو لمس الصليب.

لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل إن بعض الكنائس أعلنت أنها ستقيم شعيرة التناول عبر تطبيق "زووم" على الإنترنت.

وجراء ارتفاع عدد الوفيات إلى أكثر من 18 ألف شخص، طلبت السلطات الإيطالية من الجمهور مشاهدة برنامج تلفزيوني لقداس يوم الأحد بدلا من الذهاب إلى الكنيسة.

وخلال لقاء البابا "فرنسيس" الأسبوعي، ارتدى المحتشدون في الفاتيكان الكمامات، في حين امتنع الأساقفة وبعض الجمهور عن معانقة البابا أو تقبيل قدميه كما يفعلون في العادة.

وألغت حكومات أوروبية عديدة، الخدمات الدينية في الكاتدرائيات، ومنعت التجمعات في جميع دور العبادة الأخرى في البلاد.

طقوس افتراضية

كذلك عصف الحظر الإجباري بعيد الفصح، الذي يعد واحدا من أهم الأعياد الدينية لدى اليهود.

وكان من المفترض أن تجتمع الأسر اليهودية، في أبريل/نيسان الجاري، للاحتفال بهذه المناسبة وتناول وجبة خاصة تدعى "السيدر"، ولتلاوة النصوص الدينية والأدعية والأغاني الدينية ورواية القصص ذات العبر الدينية.

ويطرح الحاخام "ريكي جيكوبز" الذي يترأس اتحاد اليهودية الإصلاحية، في أمريكا الشمالية، بعض الأفكار والنصائح لأولئك الذين قرروا استضافة وجبة "سيدر" افتراضيا عبر الإنترنت.

ويقترح "جيكوبز" دخول منتدى "زوم" (منصة إلكترونية لعقد الاجتماعات)، وتبادل الحديث وتوجيه الأسئلة لتلمس جوهر العيد، في هذه الظروف الصعبة.

وألغيت في (إسرائيل) معظم الاحتفالات العامة للعيد، وقدم بعض الحاخامات عبر "يوتيوب" تفسيرات دينية للفيروس الجديد، منها أن "الله ينتقم من الشخص الذي يقدم على أفعال غير طبيعية"، وأن "الوباء علامة على ظهور السيد المسيح".

وألغى اليهود إحياء عيد المساخر "بوريم" الذي يشبه إلى حد كبير احتفالات الكرنفال، وهو نفس المصير الذي لحق بمهرجان "هولي" الهندوسي للألوان الذي ألغي هذا العام لنفس السبب.

وأُغلقت المواقع الدينية في جميع أنحاء العالم الهندوسي أمام الجمهور، كذلك أغلقت دول أخرى معابدها البوذية، وبثت الخطب مباشرة إلى المصلين، ليواصل "كورونا" فرض الحظر الإجباري على شعائر وطقوس مختلف الديانات.

المصدر | الخليج الجديد