الجمعة 10 أبريل 2020 08:06 م

مع تفشي فيروس "كوفيد-19" في جميع أنحاء العالم، اعتمد العديد من السياسيين ووسائل الإعلام على استعارات مجازية لوصف التحديات التي نواجهها.

وفي بريطانيا، ألقت الملكة "إليزابيث الثانية" خطابا نادرا في 5 أبريل/نيسان قائلة: "سنلتقي مرة أخرى"، تستحضر بهذه الكلمات أغنية من الحرب العالمية الثانية.

وفي 9 مارس/آذار، استدعى رئيس الوزراء الإيطالي "جوزيبي كونتي" الحرب العالمية الثانية عندما استخدم كلمات "ونستون تشرشل" للحديث عن "أحلك ساعة" في إيطاليا.

ووصف الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" نفسه بأنه "رئيس زمن الحروب"، وأنه يقاتل عدوا غير مرئي.

وفي نيويورك، بينما يواجه السكان انفجارا في عدد حالات الإصابات والوفيات الجديدة، استخدم الحاكم "أندرو كومو" استعارات ترتبط بالحرب على نطاق واسع خلال مؤتمر صحفي، قائلا: "إن الجنود في هذه المعركة هم محترفو الرعاية الصحية لدينا. هم الأطباء والممرضات والأشخاص الذين يعملون في المستشفيات. هؤلاء هم الجنود الذين يخوضون هذه المعركة من أجلنا".

وتبنى الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" نفس الأمر خلال ملاحظاته في قمة افتراضية لمجموعة العشرين حول الجائحة، قائلا: "نحن في حالة حرب مع الفيروس، ولن نفوز بهذه الحرب سوى بخطة تناسب وقت الحروب".

كما يستخدم الصحفيون نفس الاستعارات التي تضفي جوا عسكريا على مواجهة تفشي الفيروس التاجي.

وتنتشر صور الحرب التي تحدد الفيروس كـ"عدو"، وتسطيح المنحنى وإنقاذ الاقتصاد كـ"استراتيجية"، وأفراد الرعاية الصحية كـ"مقاتلي الخطوط الأمامية"، والأفراد المعزولين في المنازل باعتبارهم "الجبهة الداخلية"، بينما "الخونة" هم الذين يخرقون قواعد المسافات الاجتماعية.

علاوة على ذلك، يتم تسليط الضوء على الضرورة الملحة للقرارات السياسية الصارمة مثل إغلاق المدارس، وفرض حظر السفر، ووقف الأعمال في جميع أنحاء العالم.

ويستدعي ذلك إحساس المواطنين للقيام بالواجب والتطوع بكل جهد ممكن في الوقت الذي تحتاج بلادهم إليهم.

وهذه بالتأكيد ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها القادة وصانعو السياسة استعارات الحرب لوصف تهديد غير عسكري.

ويمكننا ذكر الحرب على الفقر، والحرب على السرطان، والحرب على الهجرة غير الشرعية، ناهيك عن الحرب ضد المخدرات أو الجريمة.

وبالرغم من أنها فكرة جذابة للغاية كأداة للخطاب السياسي، إلا أن استدعاء استعارات الحرب في حالة جائحة "كوفيد-19" تحديدا يعتبر أمرا خطيرا.

هل نحن جميعا جنود الآن؟

ويؤدي استخدام الألفاظ المتعلقة بالحرب إلى خلط التصنيفات بطرق خبيثة. على سبيل المثال، لم نعد مواطنين، نحن الآن "جنود" في صراع. وعلى هذا النحو، يدعو السياسيون إلى الطاعة بدلا من الوعي، ويناشدون وطنيتنا، وليس تضامننا.

وتحت غطاء هذه التصنيفات، شهدنا بالفعل، في جميع أنحاء العالم، تحولات استبدادية خطيرة نحو الاستيلاء على السلطة، كما هو الحال في المجر، حيث استخدم رئيس الوزراء "فيكتور أوربان" سلطات الطوارئ واسعة النطاق للسيطرة على الحكم.

وبالمثل، حصل الرئيس الفلبيني "رودريجو دوتيرتي"، في سياق مشروع قانون الطوارئ الوطني، على الحق في معاقبة الأشخاص الذين ينشرون "معلومات كاذبة" حول تفشي المرض، وهو حق يمكن استخدامه بسهولة لإسكات المعارضة السياسية.

وفي المملكة المتحدة، وهي دولة ذات مؤسسات ديمقراطية قوية، أعطى مشروع قانون "فيروس كورونا" للوزارات الحكومية سلطة احتجاز وعزل الناس، وحظر التجمعات العامة، بما في ذلك الاحتجاجات، وإغلاق الموانئ والمطارات.

وقال وزير الصحة "مات هانكوك": "إن الإجراءات التي اتخذناها لم يسبق لها مثيل في زمن السلم. سنقاتل هذا الفيروس بكل ما نملك. نحن في حرب ضد عدو غير مرئي، وعلينا أن نفعل كل ما في وسعنا لإيقافه".

علاوة على ذلك، فإن تعريف الوباء على أنه حرب يؤدي حتما إلى ضرورة تحديد العدو. والعدو هنا هو الفيروس التاجي، لكن العديد من السياسيين أضافوا أيضا طرق انتشار الفيروس إلى قائمة الأعداء.

ويرتبط تعبير "الفيروس الصيني"، الذي أصدره الرئيس "ترامب" وغيره من صناع السياسة الأمريكيين، بتصاعد الهجمات العنصرية المعادية لآسيا في أمريكا الشمالية.

ونظرا لانتشار الفيروس كالنار في الهشيم في المدن الكبيرة مثل نيويورك وتورنتو ومونتريال، فإن هناك انقساما آخر بين المراكز الحضرية الكبيرة والمناطق الريفية الأصغر التي قد يشعر سكانها بخطر التعرض للعدوى من سكان المدينة الهاربين إلى الريف.

قومية جديدة

وبينما نجد أنفسنا في حالة حرب، قد ننجذب بشكل لا يقاوم إلى موقف داخلي يشجع شعار "بلدنا أولا". واندلع الجدل حول السلع الأساسية للوقاية من الفيروس، حيث صادرت البلدان شحنات أقنعة وغيرها من معدات الحماية أو أجهزة التهوية المنقذة للحياة.

وداخل الاتحاد الأوروبي، أدى الفشل الأولي في إدارة الأزمة إلى تخوفات أن يقتل الوباء في النهاية ضحية أخرى، وهو الاتحاد الأوروبي نفسه.

وحاولت إدارة "ترامب" منع شركة "ثري إم"، أكبر الشركات المصنعة للمعدات الطبية الواقية في العالم، من إرسال أقنعة إلى كندا.

وقد أعقبت المحاولة على الفور إشارة من رئيس الوزراء "جاستين ترودو" إلى العدد الكبير من الأطباء والممرضات الكنديين الذين يعبرون الحدود للعمل في المستشفيات الأمريكية.

على المدى الطويل

يتحدث الخبراء بشكل متزايد عن فترة زمنية كبيرة قبل أن نتوقع انتهاء هذه الأزمة. وتتسابق المختبرات في جميع أنحاء العالم للعثور على لقاح أو علاج فعال للحد من الإصابات.

بعبارة أخرى، نحن في خضم هذه الأزمة لوقت طويل. وسيطول الصراع بين الديمقراطيات والدول الاستبدادية، والدول الغنية والفقيرة، والصينيين والأمريكيين والروس وبقية العالم.

وإذا كنا في "حالة حرب" لفترة غير محددة من الوقت، فإن إرهاق المعركة قد يعطل كل الجهود. وسيكون من الأفضل للقادة تعزيز المسؤولية المدنية والتضامن العالمي بدلا من فكرة الحرب. فإيجاد حل للوباء مسؤولية مشتركة، ويجب أن يكون الحل شاملا.

ولن يجدي تصدير صورة الحرب لإقناع الناس بالامتثال للسلطات الصحية بشكل مستمر؛ بل يجب مناشدة الواجب المدني والتضامن واحترام الإنسانية.

ويعد هذا التحول ضروريا إذا كنا نريد حلولا لحالات الطوارئ العالمية الأخرى، بما في ذلك تغير المناخ ونضوب موارد الكوكب، وهي الأمور التي ترتبط ارتباطا وثيقا بانتشار الأمراض المعدية، بحسب منظمة الصحة العالمية.

المصدر | كوستانزا موسو - ذا كونفرسيشن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد