الخميس 16 أبريل 2020 07:12 ص

إذا كانت التحركات الاستراتيجية هي الخطة الشاملة للوصول إلى الهدف النهائي، فإن التكتيك هو خطة جزئية لتحقيق هدف جزئي. والتراجع الأمريكي في العراق أقل من الاستراتيجي وأعلى بكثير من التكتيكي أو ما يعرف بتكييف الخطة، حسب الموقف، كردة فعل قصيرة المدى لتحقيق شيء ما حالا.

فقد أخلت قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكية في العراق قاعدة "كيه 1 الجوية" في كركوك، وهي القاعدة الثالثة التي سُلّمت للعراقيين خلال شهر بعد قاعدتي "القائم" غرب الأنبار و"القيارة" جنوب الموصل. وقد سيقت تبريرات منها أن بعض القواعد تعرضت كثيرا لاعتداءات مستمرة، من قبل بعض فصائل الحشد الشعبي؛ لذلك جاء القرار الأمريكي بالانسحاب منها.

وليس من العسير ملاحظة أن هناك تناقضات جمة في المشهد بالعراق؛ إذ لا يبدو أن طهران وواشنطن المتراجعتين في العراق، وفي الوقت نفسه المغذيتين للفراغ المتشكل، تقللان من نبرة التصعيد بينهما، والتي يمكن إرجاعها لخوف "دونالد ترامب" من نجاح طهران في تجيير "كورونا" لرفع مستوى التعاون مع الأوروبيين عبر آلية "انستكس".

أو بسبب الضربات الصاروخية ضد قاعدتين عراقيتين بهما قوات أمريكية، ثم وضعت واشنطن رجالها تحت مظلات باتريوت في 30 مارس/آذار 2020.

تبع ذلك نزول وباء "كورونا" كهدية من السماء لتبرير الانسحاب من شمال الخليج؛ للحفاظ على أرواح الجنود الأمريكان.

ومع إدراكنا التام بأن كل حرب في الخليج تختلف عن سابقاتها، وندرك أيضا أن الانكماش الأمريكي قد يكون جراء مواجهتهم عدوا مختلفا، وليس حربا مختلفة، لكن الاستراتيجيات الدفاعية تمقت الفراغ؛ مما يعني أن أحدا سيقفز في العراق، متمنين ألا يصل الانكماش الأمريكي لقواعدهم في الخليج.

يدفعنا هاجس الخوف من الانكماشات الأمريكية أنه في زمن أفضل. وقبل "كورونا" هوجمت السفن في المياه الخليجية في الصيف الماضي؛ فتقاعست واشنطن، وأرسلت مخفرا متقدما، هو الحاملة أبراهام لنكولن.

لكن لم يحل ذلك المخفر قضية سفينة واحدة حتى اليوم، فلم تنفع الحاملة أمريكا ولم تنفعنا. فهل الانكماش الأمريكي قرار استراتيجي توخيا لنتائج مستقبلية أم أنه تكتيك لنتائج حالية؟

على صانع القرار السياسي الخليجي أن يتمتع بادراك جاد لمحيطة وبيئته، فالشلل الأمريكي بزمن "كورونا" غير مبرر وغير مقبول، فالوباء قد أصاب الحشد والحرس الثوري في العراق وإيران، كما أصاب الأمريكان، لكنهم يسيرون على استراتيجية وليس تكتيك آني.

صحيح أنه في زمن "كورونا" تتسع مساحات المسكوت عنه، لكن أضعف الإيمان هو أن نطالب واشنطن بالوفاء بالتزاماتها الإقليمية جراء تشكل فراغ استراتيجي شمال الخليج .

من قواعد الانسحاب في المستوى التكتيكي تدمير ما تتركه لحرمان العدو. لكن بذريعة التراجع أمام "كورونا" يسلم التحالف الدولي كل يوم قاعدة ومعسكرا في العراق لـ"القوات العراقية".

وهو الاسم التضليلي لفصائل "الحشد الشعبي"، التي هي اسم حركي لـ"الحرس الثوري". فـ"كورونا"، التي يفر منها الأمريكان هي "الحرس الثوري".

* د. "ظافر محمد العجمي" كاتب وأكاديمي كويتي

المصدر | العرب القطرية