السبت 18 أبريل 2020 04:07 ص

ضم غور الأردن

لا يميز كثير منا بين الموقف الإسرائيلية الأيديولوجية القابلة للتنفيذ وبين التصريحات السياسية.

نتنياهو مستعدا للمضي بهذا المشروع ليضاعف فرصه السياسية لكنه يؤمن بذلك وما التسريع به إلا للاستثمار السياسي.

التهديد الإسرائيلي بضم غور الأردن حقيقة ماثلة ينبغي الانتباه إليها بدلا من الاسترخاء والاستناد لمقولات تضليلية.

إسرائيل ترى بانتشار كورونا والتقلبات الإقليمية فرصة لاستكمال آخر حلقات المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي.

لم يتجاوز الموقف الأردني مربع الاحتجاج والتحذير من مغبة مضي إسرائيل بهذه الخطوة فضم غور الأردن يشكل تحديا كبيرا للأردن.

*     *     *

تكمن مشكلة الكثير من صنّاع القرار في الأردن في ميلهم للاستهانة بما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي، فكثير منهم–خاصة الفئة التي تعاني من وهم المعرفة بالآخر– يعتبرون أن كل التصريحات التي تأتي على لسان هذا السياسي أو ذاك هي مجرد ألاعيب المقصود منها التلاعب بالرأي العام الإسرائيلي.

وتجربتي الشخصية مع الكثير من نخب وادي عربة أنهم بدلا من محاولة فهم أن الإسرائيليين يلجؤون إلى مقولات معلبة ترددها بعض مراكز التفكير الاستراتيجي Think Tanks التي تخدم التوجهات الإسرائيلية.

أذكر أنني ألقيت محاضرة في 2001 في بالجامعة الأردنية عن مخاطر الترانسفير، واستندت في محاضرتي تلك إلى عدد من الاستطلاعات العلمية التي أجراها مركز تامي شتايمتس الإسرائيلي التي امتازت استطلاعاته في التسعينيات بدقة كبيرة جدا.

في تلك المحاضرة تصدى أحد وزراء الخارجية الأردنيين بلغة لا تخلو من الفوقية قائلا إن الحديث عن الترانسفير هو فزاعة لا ينبغي للأردنيين الالتفات إليها.

وعندما جادلته بأن هناك نسبة كبيرة في إسرائيل ترى الحل بطرد الفلسطينيين وأن هذه النسبة مرشحة للزيادة في السنوات القادمة، أجاب أن لدى الأردن الخطط الجاهزة. طبعا لم يصدق في ذلك وكنت أعرف حينها أنه فقط يستعرض وأن الأردن ليس في جعبته خطة بديلة لما كانت إسرائيل تقوم به.

المتابع للنقاش العام في إسرائيل هذه الأيام يشعر بأن إسرائيل ترى بانتشار فيروس كورونا وبالتقلبات الإقليمية فرصة ينبغي استغلالها لاستكمال آخر حلقات المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي.

ثمة تطابق بين أقطاب السياسة الإسرائيلية (بنيامين نتنياهو وبني غانتس) فيما يخص ضم غور الأردن والاختلاف فقط في التوقيت. صحيح أن نتنياهو كان مستعدا للمضي بهذا المشروع حتى يضاعف من فرصه السياسية لكن الصحيح أيضا أنه يؤمن بذلك وما التسريع في ذلك إلا للاستثمار السياسي.

وهذا ما يشرح الاختلاف مع بني غانتس حول توقيت الضم. بمعنى آخر، لا يميز الكثير منا بين الموقف الإسرائيلية الأيديولوجية القابلة للتنفيذ وبين التصريحات السياسية.

اللافت، أن المعارضة الحقيقية لضم إسرائيل لغور الأردن تأتي من الخارج وليس حقيقة من الداخل الإسرائيلي، فالاحتجاج يأتي في سياق لعبة سياسية داخلية ولا يمكن أن تصنع الفرق لأن الفرقاء الرئيسيين على اتفاق تام على فكرة الضم.

الموقف الأردني لم يتجاوز مربع الاحتجاج والتحذير من مغبة مضي إسرائيل بهذه الخطوة، فضم غور الأردن يشكل تحديا كبيرا للأردن ويضرب بالعمق مقاربته الرئيسية بشأن كيفية تحقيق السلام وبشأن المصالح الأردنية الحيوية.

وللأسف، هناك قراءة في الكيان الصهيوني تقلل من أهمية ما يمكن أن يقوم به الأردن، فبتقديرهم أن الأردن لا يملك الكثير من الخيارات وأنه في نهاية المطاف سيتعايش مع الخطوة الإسرائيلية.

وهذه القراءة ليس غريبة على بنية ذهنية تعتقد أن الأردن يحتاج إسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل له، فالمتمعن بما يكتب في الصحافة الإسرائيلية يدرك مباشرة أن هناك ما يمكن تسميته مقاربة paradigm متعلقة بالأردن تقلل من قيمة الأردن بالنسبة لإسرائيل وتمتلك في جعبتها خيارات ليست ودية تجاه الأردن في قادم الأيام.

في أدبيات الأمن الإقليمي تشكل دولة ما تهديدا مباشرا عندما تمتلك الإمكانات العسكرية الكبيرة والقرب الجغرافي والنوايا العدائية الأمر الذي ينطبق على إسرائيل وعلاقتها مع الأردن.

وهناك قراءة إسرائيلية تفيد بأن النظام العربي مخترق وتنافسي ولا يشكل داعما موثوقا للأردن في المستقبل، وهذا بدوره يجعل من التهديد الإسرائيلي بضم غور الأردن حقيقة ماثلة ينبغي الانتباه إليها بدلا من الاسترخاء والاستناد إلى مقولات تضليلية تصدر من الكثير من مراكز التفكير الاستراتيجي.

* د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الأردنية