السبت 18 أبريل 2020 02:10 م

التنمر نصيب كبار السن

كبار السن باتوا الأقل حظوة بالرعاية الصحية المطلوبة.

الحقيقة العارية: العناية الطبية الجيدة متاحة لكن بعد دفع الأموال.

ماذا بوسع العجزة وكبار السن الذين يعيشون وحدهم أن يفعلوه في العناية بأنفسهم؟

لسان حال قادة دول غربية: إذا كان تفادي الموت بسبب «كوفيد-19» متعذرا فليكن من نصيب كبار السن.

لا يُسمح لأقارب المسنين بزيارتهم ولا للنزلاء بالعودة لمنازلهم ويرفض الأطباء زيارة المرضى خوفاً من الإصابة.

*     *     *

على خلاف ما تقوله الفطرة السوية من أن كبار السن هم الفئة العمرية الأجدر بالرعاية الصحية، لأن أفرادها أقل قدرة على تدبر أمورهم الصحية منفردين، بات العالم، في الجائحة الفتاكة الراهنة، يظهر أوجه التنمر ضد كبار السن.

ويكاد لسان حال قادة بعض دول العالم، خاصة الغربية منها، يقول: إذا كان تفادي الموت بسبب «كوفيد - 19» متعذراً، فليكن من نصيب كبار السن، وفي التطبيق فإن كبار السن باتوا الأقل حظوة بالرعاية الصحية المطلوبة.

يوماً عن يوم تتكشف العيوب الهائلة في منظومة الرعاية الصحية في دول كان يُنظر إليها على الدوام على أنها دول متقدمة طبيا، بل إنها مقصد الكثيرين من المرضى في مختلف الدول لإجراء العمليات الجراحية الدقيقة غير الممكنة في بلدانهم.

وها نحن أمام الحقيقة العارية: العناية الطبية الجيدة متاحة ولكن بعد دفع الأموال. لكن أنظمة التأمين الصحي باهظة الثمن لم تعد فعّالة في الظرف الراهن، فالأولويات اختلفت.

في بلد متطور مثل بريطانيا انخفض عدد الأسرة في المستشفيات، ثلاث مرات، منذ أن انعطف البلد نحو ما يعرف بـ«الليبرالية الجديدة» في عهد رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر، التي لا يمكن للعالم أن ينسى قولها، حين بلغتها التحذيرات من احتمال موت الكثيرين من عمال المناجم المضربين عن الطعام احتجاجاً على سوء أوضاعهم، فجاء ردها الصاعق: لن نتنازل. دعهم يموتوا!

باتت كل خدمة تقدّم مقابل المال، التعليم والصحة وأمور أخرى حيوية. وحتى في الظرف الحرج الراهن فإن الجواب الذي يتلقاه الكثير من المصابين: «اعزلوا أنفسكم في بيوتكم».

لكن ما الذي بوسع العجزة وكبار السن الذين يعيشون وحدهم أن يفعلوه في العناية بأنفسهم، فالإسعاف لن يصلهم، والأطباء لن يزورهم في منازلهم، ولن يتبرع أحد من الجيران في تقديم العون إليهم وسط حالة الفزع المهيمنة على الناس جميعاً.

يقول تقرير حول الموضوع إنه خلال أسبوع واحد من هذا الشهر، ارتفع معدل الوفيات 10 مرات بين نزلاء دور المسنين البريطانية، ولا يُسمح لأقارب المسنين بزيارتهم، ولا للنزلاء بالعودة إلى منازلهم، ويرفض الأطباء زيارة المرضى هناك خوفاً من الإصابة.

الحكومات جميعاً على المحك في هذه اللحظة العصيبة. ولم يعد هناك ما يمكن إخفاؤه، فالعالم قسمان: قسم تتمتع دوله بأنظمة رعاية صحية كفؤة تشمل الجميع دون تمييز بسبب السن أو العرق، وقسم تسود دوله قيم الجشع ومنطق المال، والمعيار ليس التقدم التقني وحده، وإنما أساساً معيار القيم والأخلاق والمسؤولية الإنسانية.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة