الجمعة 15 مايو 2020 12:32 ص

أزمة مالية كامنة كشفتها إفصاحات البنوك الإماراتية، الثلاثاء ترتبط بديون مجموعة "فينيكس كوموديتيز" التي تخضع للتصفية بعد مغادرة مالكها، الملياردير الهندي "جوراف داوان" إلى لندن، بعد نحو شهر من قضية الملياردير الهندي "بي آر شيتي" إلى بلاده بعد حصوله على قروض بنحو 6.6 مليارات الدولارات.

وتتخصص مجموعة "فينيكس كوموديتيز"، التي تأسست قبل نحو 20 عاما في دبي، في تجارة المنتجات الزراعية وبالأخص الأرز، بالإضافة إلى الفحم والمعادن، وحققت إيرادات بنحو 3 مليارات دولار خلال العام الماضي (2019)، لكنها واجهت انهيارا مفاجئا بسبب تداعيات فيروس كورونا المستجد، وجاءت قضية "شيتي" لتفاقم أزمة مالكها.

وكشفت الإفصاحات عن ديون مستحقة على الشركة بقيمة 400 مليون دولار لعدد من المصارف الإماراتية، بينها 23.66 مليون دولار مستحقة لبنكي "أبوظبي دبي الوطني" و11.73 مليون دولار لبنك "المشرق"، ما فاقم أزمة البنوك الإماراتية، خاصة في ظل توقعات بصدور المزيد من الإفصاحات بشأن "تسهيلات مصرفية" حصلت عليها "فينيكس كوموديتيز" بقيمة 1.6 مليار دولار، وفقا لما أوردته وكالة "رويترز".

وتمتد آثار تلك الأزمة خلف الكواليس إلى العديد من رجال الأعمال الهنود الذين يعملون بالإمارات، حيث كشفت شرطة دبي، في 29 أبريل/نيسان الماضي، عن انتحار أحدهم، وهو رجل الأعمال "جوي أركال" (54 عاما)، بعدما ألقى بنفسه من الطابق الـ 14 في إحدى البنايات، إثر تعرضه لتعثر مالي.

وكان "أركال" من بين رجال الأعمال الذين حصلوا على الإقامة الذهبية في الإمارات العام الماضي، وهي تأشيرة مخصصة للمستثمرين الأجانب المميزين، ما دق جرس إنذار بشأن تداعيات أزمتي أسعار النفط وفيروس كورونا المستجد على القطاع المصرفي الإماراتي، خاصة بعد الضجة الكبيرة التي أثارها هروب الملياردير الهندي "بي آر شيتي" مدير شركة "إن.إم.سي" للرعاية الصحية.

وبخلاف "شيتي"، فر "سوريش كريشنامورثي"، المدير المالي الهندي لشركة "إن.إم.سي" للرعاية الصحية برفقة زوجته و3 من أبنائه وخادمته، إلى مدينة كوتشي بولاية كيرالا الهندية، على متن طائرة إخلاء وفرتها نيودلهي لإعادة رعاياها إلى بلادهم.

وفي حين أن الطريقة التي هرب بها "كريشنامورثي" لا تزال لغزا، فإن صحيفة "الخليج تايمز" نقلت عن مصادر إنه قدم "إفادة خطية زائفة تدعي وفاة أحد أفراد عائلته للحصول على مقعد في طائرة الإجلاء الهندية"، في عملية وصفتها الصحيفة بـ "الهروب الكبير".

القطاع المصرفي في مأزق

وإزاء تداعيات هروب "شيتي"، طلب مصرف الإمارات المركزي من البنوك تجميد الحسابات المصرفية لشركة "إن. إم. سي"، ما يهدد بتوقف أنشطة الشركة التي تعمل في مجالات الغذاء والإمداد، والصناعات الدوائية، وإدارة النفايات الطبية، وخدمات تموين الطعام للمنشآت الصناعية.

ويستأثر بنك أبوظبي التجاري بالحصة الأكبر من ديون مجموعة "شيتي"، إذ أورد، في بيان أرسله لبورصة أبوظبي مؤخرا، أن المجموعة مدينة له بنحو 4.2 مليارات درهم (1.14 مليار دولار).

ومع توالي هروب رجال الأعمال الهنود، وانتحار أحدهم، تواجه بنوك الإمارات ضغوطاً مالية كبيرة مع لجوء معظم الشركات والأفراد إلى تأجيل سداد ديونها للبنوك تزامنا مع أزمة كورونا، فضلا عن تأثيرات انهيار أسعار النفط إلى نحو 20 دولاراً للبرميل على اقتصاد الدولة.

ويضاعف من هذه الضغوط عدم اقتصار أعمال رجال الأعمال الهنود المتأثرين على مجال الرعاية الصحية والإمدادات الطبية، حيث ينشط الكثير منهم في مجال الخدمات المالية. على سبيل المثال، تمتلك مجموعة "شيتي" أكبر شركة صرافة في الإمارات هي "الإمارات للصرافة"، التي تأسست عام 1980، ويقع مقرها الرئيسي في أبوظبي، وتعمل في تحويل الأموال وصرف العملات الأجنبية والمدفوعات وخدمة عملاء التجزئة والشركات التجارية، وتعد أكبر شركة لتحويل الأموال في اقتصاد يستضيف ملايين العمال المغتربين.

تحت المراقبة

وبالنظر إلى اتهام منظمة الشفافية الدولية أبوظبي بأنها حلقة في "منظومة عالمية لغسل الأموال"، وانتقادها "النهج الفوضوي" المتبع في تسجيل الشركات في الإمارات بما يصعب معرفة من يقف وراء الشركات الوهمية فيها، يبدو أن المركز المالي لكل من دبي وأبوظبي يتعرض لهزة كبيرة في ظل تأكيد المنظمة على أن "السلطات في الإمارات لا تتعاون مع الشركاء الدوليين، مما يجعلها مركز جذب وملاذا آمنا للمجرمين".

ومن شأن ذلك وضع الإمارات تحت مراقبة "الشفافية الدولية" لمدة عام، وفي حال أخفقت في إدخال تحسينات على آلية مكافحة غسل الأموال، فقد تجد نفسها إلى جانب دول مثل سوريا واليمن.

وتنعكس هكذا أزمة على مجمل الاقتصاد الإماراتي، إلى حد تحذير شركة التقييمات المالية "فيتش" من أن أسواق العقارات ستعاني من مخاطر جديدة على خلفية انكشاف العديد من البنوك، وفقا لما نقلته وكالة "بلومبرغ" الأمريكية.

وكانت الوكالة ذاتها قد أعلنت، حتى قبل أزمة كورونا، أن بنوك الإمارات تواجه ضغوطا قد تؤدي إلى تدهور جودة الأصول بسبب ضعف قطاع العقارات المحلي الذي يشهد انخفاضا في الأسعار بأكثر من 20% عن الذروة التي بلغتها في عام 2014.

وتعد جودة الأصول هي المحرك الرئيسي لتصنيف البنوك الإماراتية، ولذا أشارت وكالة "فيتش" إلى أن البنوك الأصغر هي أكثر عرضة للتدهور في ظل ظروف الائتمان الصعبة لقروض العقارات حاليا.

ولن يكون قرار القضاء البريطاني، في أبريل/نيسان الماضي، وضع شركة "إن.إم.سي" تحت إشرافه والبدء ببيع أصولها لتعويض الدائنين، لن يكون كافيا للتخفيف من حدة الأزمة التي يعانيها القطاع المصرفي الإماراتي، حسب العديد من المؤسسات الدولية، التي باتت ترى أن أزمة القطاع المالي باتت أكبر من تحل بإجراءات شكلية، مع تراكم الديون وتعثر الشركات وفرار المستثمرين المدينين.

المصدر | الخليج الجديد