وهم الاشتباك مع إسرائيل

لو كتبنا مقالات صحفية يوميا في الصحافة الإسرائيلية فإن ذلك لن يجد نفعا فلا يفل الحديد إلا الحديد!

أي تواصل مع الإسرائيليين لا يخدم مصالح الأردن يمنح شرعية لما يقوم به اليمين الإسرائيلي الحاكم من استهداف حل الدولتين وأمن الأردن.

*     *     *

طرحٌ ساذجٌ ذلك الذي يتبناه البعض والذي يفيد بأن من شأن الاشتباك مع إسرائيل أن يغير من سلوك الإسرائيليين. لكن هناك حكاية تساعدنا على فهم دعاة الاشتباك مع إسرائيل ينبغي كشفها. في آخر عقدين نشط بعض السياسيين الأميركان المقربين من اليمين الأميركي المنحاز لإسرائيل بالترويج لفكرة أن الأردنيين لا يستعملون أدوات السلام المتاحة لإقناع الرأي العام الإسرائيلي، وعليه فإن الأردنيين يضيعون فرصة ذهبية إذ بإمكانهم أن يشتبكوا مع الإسرائيليين للتأثير على النقاش العام الدائر في إسرائيل بخصوص مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة. التقط هذه الفكرة بعض نخب وادي عربة وتبنوها على اعتبار أنها من بنات أفكارهم في حين كانت هذه الفكرة مجرد فخ لجعل التطبيع – الذي ترى فيه إسرائيل اختراقا – إحدى أدوات التأثير.

لا يحتاج الأمر أن ينبري أي منا لكتابة مقال في صحيفة إسرائيلية على أمل أن يغير من مواقف الرأي العام الإسرائيلي، ولا يمكن لعاقل واحد أن يقبل أن الاشتباك بهذه الطريقة يمكن أن يقنع الحكومة الإسرائيلية، فالإسرائيليون يعرفون كل التحذيرات والعواقب ولا يحتاجون لرأي أو مشورة أو تحذير. كما أن الجانب الإسرائيلي الرسمي منه وغير الرسمي يعتقد بأن هناك فرصة ذهبية للإجهاز على ما تبقى من أوهام حل الدولتين وأوهام السلام.

فأحفاد جابوتنسكي قرأوا مقاله الشهير عن الجدار الحديدي الذي خطه عام 1923 الذي يقول فيه إن العرب سيقاومون إلى أن يصلوا إلى اليأس من توظيف القوة العسكرية للتحرير، عندها فقط سيجنح العرب لقبول إسرائيل ومشروعها. بمعنى، لا يحتاج اليمين الإسرائيل المهيمن إلى نصحية من صديق هنا أو هناك لأنهم ملتزمون بإستراتيجية وضع مدماكها الأول من قبل جابوتنسكي.

أفهم على سبيل المثال أن يقوم رأس الدولة بإطلاق التحذيرات من مغبة المضي في مشروع ضم غور الأردن، فهو يعبر عن الموقف الأردني وهو من ينتبه له الجانب الإسرائيلي، لكن لا يمكن فهم تبرع أفراد أردنيين من الاشتباك مع الإسرائيليين في ظل هذه الظروف بحجة أن هناك ضرورة لتنوير الرأي العام الإسرائيلي. وحتى نكون واضحين، يرى الإسرائيليون بمثل هذا النوع من الاشتباك دليلا على صحة موقفهم التوسعي، فبعد كل ما تقوم به إسرائيل من تنكر للحقوق الفلسطينية يأتي من يشتبك معهم! وهذا بدوره يعطي ذخيرة إضافية لليمين الإسرائيلي الذي سيحاصر فلول اليسار الصهيوني قائلا: ومع ذلك يشتبكون!

قبل أن نتبرع بالاشتباك مع الصهاينة، علينا فهم تركيبة الرأي العام الإسرائيلي جيدا، فمثلا تكشف مراكز دراسات الرأي العام الإسرائيلي وعلى رأسها مركز تامي شتايمتس من جامعة تل أبيب عن حقيقة صادمة إذ لا يوجد تأييد يذكر لحل الدولتين وفقا لما يريده الأردن على سبيل المثال! فمركز السياسة الإسرائيلي مر بمرحلة انزياح لليمين، وعليه لم يعد هناك ما يسمى بمعسكر السلام الذي راهن عليه بعض العرب لإحداث مصالحة تاريخية بقيت سراباً يلحق به فلول نخب عملية مدريد. فكل الآمال بصنع سلام مع إسرائيل على أساس معادلة الأرض مقابل السلام تتبخر على نيران كشف الصهيونية عن موقفها الحقيقي، فلم تعد هناك حاجة إلى خداع، فالدخول بعملية مدريد وما نتج عنها صب بشكل كامل في صالح إسرائيل، فلم تعد الصهيونية مساوية للعنصرية، وأكثر من ذلك تمكنت إسرائيل من اختراق العمق العربي وهي تمارس وعظ ضرورة إتمام عملية السلام.

بكلمة، أي اشتباك مع الإسرائيليين لا تخدم مصالح الأردن، فهي تمنح شرعية لما يقوم به اليمين الإسرائيلي الحاكم من استهداف ليس فقط لحل الدولتين بل وللأمن الوطني الأردني، ولو كتبنا مقالات صحفية يوميا في الصحافة الإسرائيلية فإن ذلك لن يجد نفعا، فلا يفل الحديد إلا الحديد، وللحديث بقية!

*  د. حست البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الأردنية