الثلاثاء 19 مايو 2020 04:20 م

صون الذاكرة الفلسطينية

تساءل إدوارد سعيد لِمَ لا يجري بعث الحياة في الصمت المطبق حول قضية فلسطين؟

لِمَ لا تنظرون إلى شعر علي محمود طه الذي كتب عن النكبة في صورة مثيرة للاهتمام؟

لماذا لا يجري النظر إلى التاريخ الشفاهي الفلسطيني والأدلة الجغرافية والحقائق التاريخية التي تكشف فظاعة ما حدث؟

كسر الصمت هو ملخص ما دعا إليه إدوارد سعيد وما عمل في سبيله وهو في لجة عالم تواطأ على طمس شيء اسمه فلسطين.

*     *     *

كان المرض قد استوطن جسد إدوارد سعيد، حين كتب ما يمكن أن نعدّه سيرته الذاتية التي ترجمها إلى العربية فواز طرابلسي بعنوان «خارج المكان».

في مقابلة لاحقة شرح سعيد الأمر، ولو على عجالة. قال إنه كان يكتب بضع جمل من الكتاب ثم ينهض لتناول دواء ما أو يستلقي. لم تكن لديه الطاقة الكافية لعمل متواصل.

بالنسبة له كانت كتابة هذا الكتاب تجربة أخرى مختلفة؛ لأنه، على ما قال، لم يكن يحاول مخاطبة الجمهور، رغم أن فكرة مخاطبة جيل أبنائه لم تغب عن باله تماماً.

كان «خارج المكان»، بالنسبة لإدوارد سعيد، محاولة لوصف ماضيه الخاص به، كي يقدمه لأبنائه. كما كان الكتاب، في صورةٍ ما نوعاً من التأمل، كأن الكاتب أراد أن يعوض انصرافه عن هذا الجانب بسبب الانشغالات التي استحوذت على حياته بعد هزيمة 1967، حين انصرف كلياً إلى الشأن السياسي، مدركاً أن عليه مسؤولية أخلاقية، كمثقف، في أن يسلط الضوء على قضية شعبه الفلسطيني.

مرة قال سعيد إن والدته لامته على هذا الانغماس في الشأن السياسي، الذي جلب له المتاعب وصوّب عليه السهام من كل جانب، خاصة من «اللوبي» الصهيوني في الولايات المتحدة، المتنفذ في المؤسسات الأكاديمية وأجهزة الإعلام هناك. قالت له ما مفاده: «أنت مثقف. ركزّ على عملك الفكري والأكاديمي، ودع السياسة للسياسيين».

لم يكن إدوارد سعيد في وارد السماع لهذه النصيحة أبداً.

مات وفي نفسه غصة أن الذاكرة الفلسطينية لم تكتب وتوثق بما يكفي. في المقابلة نفسها تساءل لِمَ لا يجري بعث الحياة في الصمت المطبق حول ذلك؟. لِمَ لا تنظرون إلى شعر علي محمود طه الذي كتب عن النكبة في صورة مثيرة للاهتمام؟. لماذا لا يجري النظر إلى التاريخ الشفوي الفلسطيني وإلى الأدلة الجغرافية والحقائق التاريخية التي تكشف فظاعة ما حدث؟

كسر الصمت، هذا هو ملخص ما دعا إليه سعيد، وما عمل في سبيله وهو في لجة عالم تواطأ على طمس شيء اسمه قضية فلسطين.

فيديو نشرته جامعة بيرزيت على موقعها يصوّر زيارة قامت بها إليها الجدة هناء خوري التي أجبرتها نكبة 1948، التي مرت ذكراها قبل يومين، على قطع دراستها في الجامعة، حين تعذّر عليها الوصول للجامعة من بلدتها الناصرة، فلم تكمل دراستها يومها.

جالت الجدة رفقة الطاقم التعليمي والإداري وأحفادها فناء الجامعة، متذكرة كل زاوية فيها. إنها محاولة لكسر الصمت أيضاً، لصون الذاكرة، للتذكير بما يريدون أن ننساه.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج - الشارقة