الاثنين 25 مايو 2020 08:40 ص

أثارت التداعيات الاقتصادية لوباء "كورونا" شكوكا في قدرة دول الخليج على تمويل سباق تسلح إقليمي باهظ التكلفة.

ولا يعيد ذلك تشكيل موقفها الجيوسياسي فحسب، بل يؤثر أيضا على الجهود المبذولة لجعل الجيش ركيزة للهوية الوطنية الجديدة، في وقت تضطر فيه دول الخليج إلى إعادة التفاوض على العقود الاجتماعية القديمة.

ويثير الانخفاض الكبير في الإيرادات، نتيجة لانهيار أسعار النفط والغاز، وانخفاض الطلب العالمي بشكل كبير على الطاقة، التساؤل عما إذا كان بوسع دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر أن تحافظ على النفقات العسكرية الضخمة التي تضعها بين أعلى دول العالم في شراء الأسلحة.

وكان الإنفاق السعودي والإماراتي مدفوعا بالحاجة المتصورة لمواجهة التقدم الإيراني في تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى القدرة العسكرية النووية المحتملة.

وانضمت قطر إلى السباق مؤخرا ردا على الحصار الاقتصادي والدبلوماسي المستمر منذ 3 أعوام بقيادة السعودية والإمارات.

ووضع الإنفاق الجيش كمحرك لهوية مبنية على القومية بدلا من الدين أو التراث القبلي، وكان من المفترض أن يساعد ذلك في إرساء الأساس للانتقال إلى اقتصادات ما بعد النفط الأكثر تنوعا في نهاية المطاف، حتى وإن كان انتقالا مؤلما.

ويخدم تجنيد الذكور في الإمارات وقطر والكويت، والقرار السعودي بفتح التطوع للخدمة العسكرية للنساء، خلال العقد الماضي، هذا الغرض، بالإضافة إلى الجهود الحكومية لتوسيع مشاركة المواطنين في القوى العاملة على حساب العمالة الوافدة والمغتربة، بما في ذلك في القوات المسلحة.

وشكلت هذه الخطوات انفصالا عن الماضي، الذي لم يثق فيه الحكام الخليجيون إلى حد كبير بجيوشهم، واستخدموا طرقا متعددة لحماية أنفسهم من أي محاولات مدعومة من الجيش لإخراجهم من السلطة.

وتوقع الحكام السعوديون والإماراتيون أن يعزز تدخلهم العسكري في اليمن، ومشاركة الإمارات في الحرب الليبية، هيبة الجيش بانتصارات سريعة وحاسمة.

وبعد 5 أعوام، أدى التدخل الخاطئ في اليمن إلى نتائج مختلطة في أحسن الأحوال. وكذلك فعلت الجهود الأخيرة للإطاحة بحكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا.

وانسحبت الإمارات جزئيا من اليمن، في محاولة لخفض خسائرها.

وعانت القوات الإماراتية من مقتل عشرات المواطنين الإماراتيين، وهو عدد مرتفع لسكان يبلغون 1.4 مليون مواطن فقط. ونتيجة لذلك، تعتمد الإمارات بشكل متزايد على الوكلاء والمرتزقة.

ومع ذلك، ربما كانت الإمارات أفضل حالا من الجيش السعودي، الذي تعرضت صورته لاهتزازات شديدة على الأقل دوليا.

وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن السعودية تعترف ضمنيا بأنها لا تستطيع تحقيق النصر العسكري في اليمن.

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الحكومة السعودية قلصت تمويل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، والتي تتخذ من الرياض مقرا لها.

وتضمنت الطريقة السعودية للحرب هجمات متعددة على أهداف مدنية، ودمرت البنية التحتية الاقتصادية والمدنية للبلاد، وحولتها إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.

وبالمثل، عانى المتمردون الليبيون المدعومون من الإمارات، بقيادة الجنرال "خليفة حفتر"، من المصير نفسه. وكان "حفتر" قد وعد قبل أكثر من عام بالانتصار السريع في عمليته العسكرية التي استهدفت السيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.

لكن الأحداث أثبتت أن "حفتر" كان واهما. ووضعت قوات حكومة الوفاق، المدعومة من تركيا، قوات "حفتر" في موقف دفاعي.

ويراهن حكام السعودية والإمارات على أن تركيزهم على القيم المرتبطة بالقومية والجيش، مثل الوطنية والتضحية والانضباط والواجب، ومفهوم المواطنين النموذجيين الأبطال، سيعزز تقدير الجمهور للجيش بالرغم من سجله المتقلب. وفي الوقت الحالي يبدو أن هذا رهان فائز.

وحافظت السعودية على الدعم الشعبي للقوات المسلحة في حرب اليمن، بالرغم من الانتقادات الدولية واسعة النطاق، من خلال مدح التضحيات الوطنية للمصابين السعوديين، وتعويض عائلات الجنود القتلى أو ذوي الإعاقة الدائمة، وإنشاء مؤسسات متعددة لضمان حقوق المحاربين القدامى.

وأضفت الإمارات الطابع المؤسسي على تكريم الشهداء العسكريين.

ويبرز هنا السؤال عن مدى صمود الشعوبب في دول مثل السعودية، والذين تعرضوا لتخفيضات مؤلمة في الإنفاق الاجتماعي، دون إشارة إلى تقاسم النخب العبء، مع استمرار دعم الإنفاق العسكري الضخم في وقت التقشف.

وفي وسائل التواصل الاجتماعي تجد العديد من السعوديين الذين يثنون على الحكومة لضمان عودة المواطنين السعوديين في الخارج إلى المملكة في بداية الوباء، وتمويل الحجر الصحي لمنع انتشار الفيروس التاجي، ودعم رواتب القطاع الخاص المتأثرة بتأمين حتى 60%.

ومع ذلك، أعرب عدد لا بأس به عن القلق من أن الطبقة المتوسطة والدنيا ستتحمل وطأة التداعيات الاقتصادية للوباء، وتساءلوا عن الاستثمار المستمر في مشاريع غير ملحة مثل الاستحواذ على نادي كرة القدم الإنجليزي "نيوكاسل يونايتد" من قبل صندوق الثروة السيادي في المملكة. لكن لم يكن الإنفاق العسكري موضع تساؤل حتى الآن.

ومن القضايا الشائكة حقيقة أن غالبية الضحايا الإماراتيين والسعوديين في اليمن ينحدرون من المحافظات الأفقر في المملكة، والإمارات الأقل حظا في دولة الإمارات.

ويبقى أن نرى ما إذا كانت الخدمة العسكرية ستضيق أو ستوسع الفجوات الاجتماعية في نهاية المطاف.

وحذرت الأكاديمية المتخصصة في الشؤون الخليجية "إليونورا أرديماني" من أن "العسكرة تعزز أمن النظام، وبالتالي تخدم الأمن القومي. ومع ذلك، من المرجح أن تعزز المشاعر القومية المتزايدة الاستقطاب الإقليمي".

وأشارت "أرديماني" إلى خطر العسكرة التي ترسخ الاختلافات بين دول الخليج.

وبالرغم أن تعزيز العسكرة حافظ على التماسك المحلي حتى الآن، لكن قد يكون لذلك تأثير عكسي يزيد الاستقطاب بين دول الخليج.

المصدر | جيمس دورسي/أوراسيا ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد