الخميس 21 مايو 2020 11:09 ص

حين نتعرض لتاريخ الفن، نكتشف الكثير من المفاهيم المغلوطة، نعم نشأت السينما في مصر في وقت قريب جدا من نشأة السينما العالمية، وفي نفس الوقت بدأ فن الرسوم المتحركة في مصر في وقت قريب من الوقت الذي بدأ فيه في أمريكا، لعل الفارق كان بضع سنوات.

ولكننا لا نستطيع القول إن أول فيلم رسوم متحركة عرض في قاعات السينما المصرية وهو فيلم "مشمش أفندي" (عرض في 8 فبراير/شباط 1936) فيلما مصريا رغم أنه ناطق باللهجة المصرية وموجه للجمهور المصري.

أسباب عديدة تدفعنا إلى رفض التأريخ  للرسوم المتحركة بداية من فيلم "مشمش أفندي"، وأن نؤكد أن أول إنتاج مصري عربي حقيقي كان بعد عقدين ونيف من هذا التاريخ.

ففيلم "مشمش أفندي" الذي أنتجته أسرة "فرانكل" عام 1936، لا يعد كونه محاولة استثمارية لرأس مال أجنبي على الأراضي المصرية.

عناصر الكتابة والرسوم وحتى فكرة القصة، ومجموعة العاملين في فن الرسم والتصوير والتحريك في هذا الفيلم كانت كلها أيد أجنبية، وهم عبارة عن أسرة "فرانكل" اليهودية التي جاءت مهاجرة أثناء الحرب العالمية الأولى، ولم يلبثوا أن هاجروا بعد الحرب العالمية الثانية.

البداية الحقيقية فيلم مدته 3 دقائق

قد لا تعجبك بداية "حسام" و"علي مهيب"، رائدي فن الرسوم المتحركة في مصر، واللذين حملا على عاتقيهما تدريب وتعليم جيل من فناني الرسوم في مصر، فالبداية كانت بفيلم قصير مدته 3 دقائق بعنوان "سقوط الملك فاروق"، وهي بدايه من وجهه نظري تحمل نمطا تملقيا للسلطة الجديدة، ومع ذلك فمن هذه البداية لابد أن يكون التأريخ لأول فيلم مصري عربي في المنطقة للرسوم المتحركة.

عام 1958 اجتمع الأخوان "حسام" و"على مهيب" للبدء في أول تجربة إنتاج كارتونية لهما، "حسام" لديه كاميرا وخبرة في التصوير، و"علي" لا يضاهيه أحد في الرسم، وانضم إليهما ثالث يجيد التصوير أيضا، و هو "عدلي الشريف".

تولى "علي" رسم الشخصيات وتحريكها، بينما تولى "حسام" و"عدلي" مهمة التصوير بطريقة بدائية جدا، استغرق إنتاج الفيلم عدة شهور، فقد كان كل شيء صعب، تثبيت الكاميرا، ووضعيات الإضاءة، وتثبيت الرسوم أمام الكاميرا، وتحريكها من أمامها، لم تكن الأدوات تساعدهم، ولكنهم بالنهاية أنجزوا العمل.

أول قسم للرسوم المتحركة في التليفزيون المصري

في منتصف عام 1961 توجه الأخوان "حسام" و"علي" إلى مبني ماسبيرو، والتقيا رئيس المؤسسة الهندسية بالتليفزيون "صلاح عامر"، ومعهما نسخة من الفيلم وغايه طموحهما أن يعرض هذا الفيلم في التليفزيون المصري الذي بدأ إرساله عام 1960، ليلقي "عامر" لهما بالمفاجأة، بعد أن شاهد الفيلم، ويعرض عليهما أن يقوما بتأسيس أول قسم للرسوم المتحركة في مصر والعالم العربي.

وافق الشقيقان على العرض وتركا كل أعمالهما وحصلا على غرفتين للقسم بالدور السابع ، وكونا استديو للرسوم بالإستعانه بعدد من الشباب خريجي كلية الفنون الجميلة، وقسموا فريق العمل المكون من 6 أفراد  إلى قسمين، قسم للرسوم وآخر للتصوير، ليعيدا إنتاج فيلمها الأول "سقوط الملك فاروق" ويعيدا كتابة السيناريو الخاص به ليمتد إلى 12 دقيقة بدلا من 3 دقائق وليعرض على التليفزيون في ذكرى انقلاب يوليو/تموز 1952، وتم عرضه يوم 24 يوليو/تموز 1961.

فيلم "الخط الأبيض"

تراكمت خبرة الأخوين خلال العام الأول، فقررا أن يقفزا قفزة أعلى، وخططا لإنتاج فيلم "الخط الأبيض"، ليأتي الفيلم بخطوة جديدة أيضا في الإنتاج الخاص بالشرق الإوسط حيث مزج الفيلم بين الرسوم المتحركة والتصوير الحي.

كان الفيلم غريبا في وقته، فإدخال مشاهد مصورة ومزجها بالرسوم لم يكن معتادا، وتطبيق فكرة العرض الخلفي "الكروما" لم يكن ينفذ بشكل واسع في تلك الفترة، حتى إن بعض العاملين كانوا يتندرون على المخرج "علي مهيب" ويصفونه بمخرج الروائح، قبل أن تبهرهم نتيجة العمل الذي ظهر بالنهاية.

استغرق العمل عاما كاملا من الجهد، وكما تقول "حفيظة الطوبجي" زوجة "حسام مهيب"، والتي شاركت في فريق عمل الفيلم في أحد تصريحاتها الصحفية: "كنا نعمل ليل نهار، لنخرج بحركة واحدة وكان أي خطأ يتطلب أن تعاد اللقطة من أولها حتى لا يحدث خطأ في المونتاج".

عرض الفيلم في مهرجان التليفزيون الرابع عام 1963 وفاز بجائزة المهرجان الأولى، وبات عملهما الذي لم يؤمن به الكثير محط أنظار الأوساط الفنية العربية، وقدم التليفزيون بعد هذه التجربة الفوازير بأشكال متعددة بدءا من عام 1964.

مغامرة جديدة عام 1966

حمل العام 1966 خلافا في وجهات النظر بين الأخوين "مهيب"، وبين إدارة التليفزيون المصري، فظروف حرب اليمن وطبول حرب 67 كانتا عائقا أمام استكمال مشاريعهما الإبداعية، فقررا الاستقالة وإنشاء استديو خاص بهما.

برأس مال 7 آلاف جنيه مصري، ومشاركة مع وكالة إعلانات الأهرام، التي اتخذت من الأخوين "مهيب" مستشارين لها، تم إنشاء الاستديو، لتنطلق مسيرة تطوير الإعلانات في مصر، ويدخلها فن الرسوم المتحركة، ونشاهد إعلانات مثل (ديكسان- وإعلان المبيد الحشري بوب، وسيكولا وووو)، فضلا عن إعلانات في دول عربية أخرى تبنت منهج الأخوين "مهيب".

1980 انفصال حتى الممات

تنوعت أعمال استديو مهيب بين إعلانات وتترات أفلام وخدع سينمائية، وفوازير، لكنهما  لم يتمكنا رغم استقلالهما عن الدولة من إنتاج عمل مثل "الخيط الأبيض"، وكطبيعة أي عمل وأي شركاء  حدث الانفصال بين "حسام" و"علي" عام 1980، واستمر حتى وفاة "حسام" عام 1996، كان "حسام" يرى ضرورة التواجد بقوة في السوق، بينما أراد حسام أن يحتفظ بالجودة الفنية فكان الانفصال.

عموما لم يكن الانفصال هو السبب الوحيد في تراجع اسم "مهيب" في منتصف الثمانيات، ولكن ظهور وكالات كثيرة منافسة، والتكنولجيا التي فرضت نفسها بقوة وتقنيات تصوير الفيديو، وتشكل سوق إعلاني بمفردات مختلفة أدت إلى تراجع استديوهات "مهيب" عن العمل.

المصدر | الخليج الجديد