السبت 23 مايو 2020 03:47 م

هو رائد الكوميديا السوداء والنقد المجتمعي اللاذع، ظهر في القرن الأول الميلادي، واستمر تأثيره ممتدا إلى يومنا هذا، فهو صانع البسمة بلا منازع، منه تعلمنا كيف تتحول المأساة إلى طرفة ذات طابع إنساني، فهو الباحث عن جوهر الحقيقة، وهو الصانع الأول وصاحب الاختراع الحصري للكوميديا السوداء.

يتهمونه بالحمق والغباء، وهو المتحامق عمدا، والمتغابي مع سبق الإصرار والترصد، لا يشغل باله أبدا بالقيود التي يفرضها زمنه سواء كانت قيودا اجتماعية أو سياسية، فهو ابن الرغبة الجامحة المنطلقة في اللحظة الآنية، ويكفي أن فلسفته الخاصة المصاحبة لأمثاله تجعله بريئا من الخوف أو الكبت، وتبرزه اقوى حتى من حكام زمانه.

لذلك أسقطوا عنه التكليف المجتمعي وغضوا الطرف عن أفعاله ليستمتعوا بجرأته وطريقته في سوق الحق وتحقيق التوازن بين الحكام والمحكومين.

كيف أبدع العقل الجمعي شخصا حقيقيا؟

إنه "أبوالغصن جحا"، تلك الشخصية الحقيقية التي خلقت من لحم ودم، لكن العقلية العربية حولتها إلى أسطورة، وأضافت إليها، وحذفت وصاغت من مشاعرها ومخاوفها وآمالها وطموحاتها حتى لكأنك تشعر أنه أحلام أمة، وليس رجلا عاش في فترة زمنية من فترات التاريخ البشري.

فقد عجنته المجتمعات العربية بعجينتها، وجعلته بحق شخصية أممية عربية، فهو عراقي ومصري وبدوي، وهو عربي في مواجهة المغول وتيمورلنك، وإمام من أئمة الهدى، وشيخ فاسد، ومقاوم للظلم، ومظلوم ينتصر لنفسه، وهو اللسان الناطق بالأمثال الشعبية عربية وعامية، وهو الساخر من الجميع.

لقد أبدعت الشخصية العربية "جحا"، ولكنها بعبقريتها لم تشأ أن تجعلها سلبية أو منعزلة، وإنما جعلتها شخصية رجل عادي من الناس، فهو يذهب إلى الأسواق، ويتزوج، ويرتحل من بلد لآخر، ويلتقي الحكام، وهو رب أسرة له زوجة يمارس من خلالها نقدا لمؤسسة الأسرة ويعرض مشاكلها في زمنه، وله ابن ينشئه بحكمته ويحاوره بفكاهته وسخريته، ومن خلاله سنشاهد وحدة حياة الأمة العربية.

و"جحا" ليس مرتبطا بالناس وفقط ولكنه مرتبط بحماره أيضا الذي اتخذ منه صديقا ومستشارا يصب في أذنيه سخريته اللاذعة من الحياة والبشر وينتقد معه المواقف التي يتعرض لها، وهو ارتباط طبيعي في زمن كانت صحبة الأنعام فيه صحبة ممتدة للبشر، فهي تصحبهم في الحل والترحال، فهم يقدرون مكانتها، ويتعاطفون معها.

"جحا" بين الواقع التاريخي والرمز الفني

في ضوء غلبة الرمز الفني لنموذج "جحا" غاب عن الكثير من المتابعين لتلك الشخصية والمتعاملين معها سواء بالاقتباس الدرامي أو الدراسات البحثية أن هذه الشخصية هي شخصية حقيقية من لحم ودم، وأن لها واقعا تاريخيا ونسبا ينتهي إلى قبيلة فزارة العربية، فهو كوفي مولود في العقد السادس من القرن الأول الميلادي، وبهذا أشارت كتب التراجم والأخبار.

عموما كل المصادر التاريخية تشير إلى وجود "جحا"، وإن اختلفت في بعض التفاصيل، وفي ضوء ما جاء في تلك الكتب وما نقل إلينا من نوادر وأقوال سنحاول أن نكشف عن تلك الشخصية، وما نسب اليها من واقع تاريخي وفني.

فلسفة النموذج

منذ نشأته التاريخية ولجوء العقلية الشعبية إلى نسج موضوعاته وصياغة حياته، استمر ظهور "جحا" في العصور المختلفة مرتبطا بالأزمنة التي يشتد فيها الصراع بين القوميات، والتي تتحول فيها الدول من دولة آيلة للسقوط إلى دولة أخرى فتية قادمة بسلطانها ورجالها، حيث تبرز في تلك الفترة التناقضات في العلاقات الإنسانية والاجتماعية، ويظهر الكبت السياسي، والقهر العسكري فيلجأ الشعب لاستدعاء الشخصية الجحوية لمواجهة هذه المتناقضات وتبدأ مرحلة انتخاب الرمز الساخر لمواجهة تلك الانحرافات والمأساة، ومواجهة التلسط من وراء البسمة الساخرة والحكاية التي تبعث على انتظار الفرج.

الشكل الفني للنادرة عند "جحا"

الحكايات والنوادر الواردة عن "جحا" إذا قارناها بأجناسها من الحكايات والنوادر التي جاءت على ألسنه غيره من المشاهير كـ"أشعب"، و"أبي نواس" و"أبي دلامه"، وغيرهم مما روي في الأدب العربي، فسنجد بينها وبين الحكاية الجحوية فوارق كثيرة، فالحبكة الجحوية تجمع في طياتها أجناسا فنية كثيرة، وهو ما يجعلها تتقاطع بشكل كبير مع كل ما قدم على ألسنة غيره من المشاهير.

وفي نفس الوقت هي تفترق معهم من حيث الأسلوب السردي، ومن حيث دينامية حركتها وأثرها الممتد، فهي حكاية شعبية وهي نكتة وهي كوميديا موقف وهي بالنهاية حالة من حالات الدراما التي تقدم لنا الكوميديا السوداء في أصرخ صورها وهي تلاحق سلوكيات المجتمع والحكام والقضاة، وتقصف جبهة الشعوب من طرف خفي وتحملها مسؤولية ما هي فيه من أحوال الظلم والجور وتستحثها على الثورة.

المصدر | الخليج الجديد