السبت 23 مايو 2020 08:36 م

ترفع السعودية الضرائب وتخفض الإعانات التي تدفعها لرعاياها، في الوقت الذي تشرع فيه في برنامج تقشف، الأمر الذي يختبر مرة أخرى متانة عقدها الاجتماعي مع مواطنيها.

وبينما تتعقد العلاقة بين النظام الملكي والمواطنين، فإن المملكة تعتمد على القومية الناشئة، والسيطرة على الاقتصاد، وقوى الأمن كأدوات تمنحها القدرة على قمع أي صوت شارد في الوقت الحالي.

القومية والعقد الاجتماعي السعودي

ويتوقف العقد الاجتماعي في السعودية على مقايضة الرفاهية مقابل الولاء. وتستخدم الدولة السعودية دخل الطاقة لتسكين السعوديين وتوظيفهم وإراحتهم اقتصاديا.

وحتى عام 2018، لم تكن الضرائب ضمن العقد. لكن نتيجة انهيار أسار النفط والركود الكبير، أصبحت الرياض مضطرة إلى إجراء تخفيضات على هذا السخاء.

وأجبرت حرب الأسعار السعودية الروسية، بالتزامن مع وباء "كوفيد-19"، الحكومة السعودية على مضاعفة ضريبة القيمة المضافة 3 مرات، وإلغاء بدل غلاء المعيشة الشهري بقيمة 270 دولارا للموظفين الحكوميين، الأمر الذي وضع العقد الاجتماعي القائم تحت الضغط.

ولحسن الحظ بالنسبة للرياض، ستظل القومية مهيمنة بشكل متزايد على العقد الاجتماعي السعودي في عام 2020.

وتؤكد القومية في السعودية على هوية المملكة بعبارات أقرب إلى التقاليد الأوروبية الغربية أكثر منها إلى القبلية العربية.

ولا يروج النظام لـ"السعودة" فحسب، بل أيضا للملك "سلمان" وولي العهد "محمد بن سلمان" باعتبارهما رمزين.

كما يتم تعزيز القومية من خلال التأكيد على الأعياد الوطنية، مثل العيد الوطني للمملكة، الموافق 23 سبتمبر/أيلول، وتغيير معايير التعليم لتنقيح الهوية السعودية بعيدا عن الهوية الإسلامية البحتة، والتركيز على الترفيه وأنماط الحياة على النمط الغربي بعيدا عن القيود الاجتماعية والدينية.

ومن المرجح أن يتبنى السعوديون تعزيز روح القومية لتعويض الغضب عن المشاكل الاقتصادية. وبالفعل، يؤكد السعوديون الشباب بشكل عام على هويتهم الوطنية فوق هوياتهم المحلية أو الدينية.

ويدعم الشباب السعودي في المدن الكبرى، مثل الرياض ومكة والمدينة المنورة، الخدمة الوطنية (الجيش) والتعليم العلماني، والاختلاط بين الجنسين، في تناقض صارخ مع الشباب المحافظ في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي الذين توافدوا إلى المدارس الدينية وأقروا الحفاظ على أنماط حياة إسلامية صارمة.

أدوات اقتصادية وخدمات أمنية

وعندما لا تكفي القومية للسيطرة على السلوك، تتحول الملكيات إلى السيطرة على الاقتصاد. ومع اعتماد قطاع كبير من السعوديين على الإنفاق الحكومي، فإن معظم المؤسسات والشركات تراقب بشدة أي علامات على اعتراض موظفيها حتى لا تتعرض علاقات الشركة مع الدولة للخطر.

وتمتلك الدولة أداة قوية أخرى في شكل سيطرتها على الرهون العقارية، ما يمنحها النفوذ على سوق الإسكان. ولن يرغب أولئك الذين تضرروا بشدة من التقشف في المخاطرة بقطع فرص الرهن العقاري التفضيلية والإسكان المدعوم عن طريق إغضاب النظام.

وتحظى الحكومة بأداة أخرى قوية على المواطنين تتمثل في سلطتها على الإشراف على اللوائح والقواعد التي يعتمد عليها السعوديون في إدارة الأعمال والحفاظ على أنماط حياتهم.

ويتعرض السعوديون الذين ينتقدون الحكومة لتعنت من قبل المسؤولين فيما يخص أوراقهم الثبوتية بما في ذلك شهادات التفتيش ومتطلبات الترخيص.

ويمكن للمسؤولين أيضا تعقيد الروتين المطلوب للحصول على الخدمات الحكومية. وإذا كانت الحكومة تريد أن تصبح أكثر صرامة، فيمكنها دائما إطلاق حملة أخرى لمكافحة الفساد، وفق تعريف الدولة لـ "الفساد".

ويمكن للذين يعبرون عن غضبهم أن يجدوا أنفسهم فجأة أمام وحدات خاصة من الأجهزة الأمنية. وتتألف هذه الوحدات بشكل متزايد من وحدات خاصة ماهرة بالتكنولوجيا وشرطة مدربة بشكل أفضل، وهي أقل اعتمادا على الحرس الوطني القبلي وقوات الشرطة الإقليمية الأقل انضباطا.

ولا تستخدم هذه الوحدات القوة فقط، بالرغم من أن استخدام القوة لا يزال محتملا في مواجهة الاحتجاجات وأعمال الشغب والإضرابات.

ومع ظهور المعارضة عبر الإنترنت أيضا، تشارك قوات الأمن في تشكيل ومراقبة المحادثة عبر الإنترنت. وتحقيقا لهذه الغاية، يروجون للقومية وتجميع قوائم المشتبه بهم المحتملين الذين قد يميلون إلى نقل نشاطهم من الإنترنت إلى العالم الحقيقي.

ومن أمثلة ذلك الصحفي "جمال خاشقجي" والعديد من الناشطين السياسيين والحقوقيين الذين تحتجزهم الدولة السعودية.

وسوف تعمل القومية والسيطرة الاقتصادية وقوات الأمن لصالح الحكومة لفترة من الوقت، ولكن كلما استمر التقشف، قل تأثير تلك الأدوات.

ولسوء حظ السعودية، فإنها ليست مطالبة فقط بتمويل دولة الرفاهية، ولكنها مضطرة أيضا لتمويل إعادة الهيكلة الطموحة للاقتصاد والمعروفة باسم "رؤية 2030".

المصدر | ريان بول - ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد