الثلاثاء 26 مايو 2020 10:41 ص

من وراء قرار اغتيال الترابي؟

لم تعد ثورة الترابي خطابا بل مشروعا سياسيا وهذا كان يكفي لحسم أمره.

منفذ محاولة الاغتيال مدرب كاراتيه في الشرطة الكندية اسمه هاشم بدر الدين.

غادر الشيخ حسن أميركا إلى كندا التي جرت فيها محاولة اغتياله في 25 مايو 1992.

هل كان مسرح عملية الاغتيال مكانياً فقط، أم كان اختراقاً أمنياً أم تفاهماً سياسياً؟

الترابي أدرك الدور الدولي في محاولة اغتياله، إلا أنه لم يُغيّر تقييمه الموقف الأميركي مقابل الموقف الأوروبي.

*     *     *

يشير المحبوب عبد السلام إلى المقدمة المحدّثة لكتاب إدوارد سعيد "تغطية الإسلام" التي حرّرها سعيد، وألحقها بطبعة 1993، حيث يشير سعيد إلى الاهتمام المكثف من الإعلام الأميركي بالشيخ حسن الترابي، الذي يوصف لديهم بصاحب الذكاء الحاد الموظِّف للشر (والرجل) الخبيث.

وهذا بالطبع تزامن مع زيارته التي تحدث عنها في شهادته على العصر على قناة الجزيرة، والتي نعتني بها ضمن دراسة نقدية لتجربة الترابي، وتحرير مسؤوليته بين خطايا ثورة الإنقاذ في السودان وفهم فكرته ودوافع سعيه إلى تحقيق حكم شعبي، يقوم على العدالة القومية والندّية النهضوية مع الغرب، بحسب شهادته.

وكان رغم هذا الوصف قد أعطى للأميركيين حظاً من التقويم المحايد الذي لم يُسقط، بالطبع، مشروع واشنطن الكولونيالي. لكن الترابي، على الرغم من أنه أدرك الدور الدولي في محاولة اغتياله، إلا أنه لم يُغيّر تقييمه الموقف الأميركي مقابل الموقف الأوروبي.

ويتحدّث الترابي عن خطابه في الكونغرس، الذي ألقاه في مكتب لجنة الشؤون الخارجية، فيدعو إلى مسار التعاون الإيجابي المطروح على واشنطن، ليتحوّل المشروع الأميركي إلى آفاق تعاون مع طموح العالم الجنوبي.

وهذه الفكرة بالذات، ورغم أن الشيخ الترابي وجد لها رصداً جيداً في أميركا، حسب شهادته، إلا أنها لم تكن لتعبر بوابة الأمن القومي الاستراتيجي، بعد أن استقرّ العقل الكولونيالي المتوحش في الضمير الأميركي.

وإن كانت مسارات الرحلة الأميركية قد تضمنت محطات فكر وتاريخ كفاح للحقوق المدنية، جعلت مثل هذا الخطاب يُستقبل بمساحة أوسع من الضيق والصلف الذي وجده الترابي لدى العواصم الأوروبية.

لكن العقل الأميركي، الأمني والاستعماري، كان أذكى من أن يكشف قلقه لمفكر الجنوب العالمي الجديد، الذي يعيد طرح الإسلام مشروع تعاون أممي للمعذبين، وليس منظومة اشتراط عقائدي، وهو ما جعل إدوارد سعيد يشير بوضوح إلى الموقف الأميركي من الترابي، في سياق المشروع الكولونيالي الذي اهتم به.

كان تاريخ اللقاء في الكونغرس الذي تحدّث عنه الترابي ظهيرة العشرين من مايو/ أيار 1992، وقد التقى بعدد كبير من الفعاليات الإسلامية، والثقافية الأميركية المختلفة، التي كانت بكل تأكيد محل رصد ومتابعة من الأجهزة الأميركية.

والذي يعرف خطاب الترابي وحضور وجدان الإنسان الجنوبي الأفريقي فيه، ويستذكر حياة مالكوم إكس ورحلته، ثم حديث مالكوم عن احتضان أفريقيا له، ودعمها كفاحه، يعرف تماماً الحساسية التي تثير واشنطن، في مؤسساتها السياسية والأمنية.

غادر الشيخ حسن أميركا إلى كندا التي جرت فيها محاولة اغتياله في 25 مايو، وقد كان يتحدّث عنها باهتمام، ولكنه كطبيعته في الشهادة، أظهر تسامحاً كبيراً، يبرز في طيّات الحلقات، ولم يتوقف مع دلائل رسائلها، وهذا بسبب كثرة المحاور التي طرحها المقدم، والتي قد تكون أغفلت أحداثاً مهمة لحياة الترابي، وكان يجب أن يسلط الضوء عليها.

أكد الترابي بإصرار أن الحليفين الخصمين، عمر البشير وعلي عثمان طه ومنظومتهما، لم يرحبا بعودته بعد المحاولة، وأعطيا توجيهاً لتركه في كندا، وكان بارزاً روح الارتياح في الخرطوم التي أشار إليها الترابي، بعد المعلومات عن محاولة اغتياله، وأنه في طريق إلى الموت أو الإقعاد التام.

وكان منفذ العملية مدرب كاراتيه في الشرطة الكندية، اسمه هاشم بدر الدين. وقد اطلعت على مقابلة له، ولم أجد في حديثه ما يسقط شكوك الترابي عن توظيفه، وحسب حديث الشيخ، هاشم مجرّد كادر أُغري بتنفيذ العملية، من خلال ضرباتٍ تكفي لقتل الشيخ، ثم رفض ضابط شرطة نقل الإسعاف له ليكمل تقرير الحادثة، وقال لهم إنه انتهى (مات)، وحُمل إلى المشفى، وبُلّغ أهلهُ باستحالة شفائه إن لم يمت، وأنه سيعيش مقعداً، لكن الأقدار حملت أنباءً أخرى، فشفاه الله.

ثم علم أن الخرطوم ليست حريصة على عودته، ولكنه أصّر على العودة، ورتّبها بنفسه، ووضعهم أمام الأمر الواقع. وحتى نطوي مؤقتاً موقف التحالف الحاكم، في محاولة اغتياله، هناك شكوك تضعف اتهامهم بتلك المحاولة، وهذا راجحٌ عندي، ولكن هناك ما يُفيد بأن طرفاً دولياً أبلغهم بهدف تصفية الترابي، وأن عليهم أن يتعاملوا مع هذا الموقف، خصوصاً أن الرجل إن لم يمت فقد أُقعد.

لكننا نعود إلى مسرح العملية، وهل هذا المسرح كان مكانياً فقط، أم كان اختراقاً أمنياً أم تفاهماً سياسياً؟

لا نعرف، فكندا كانت في حينه تحت الجناح الأميركي كلياً، وتوضيح المخابرات الكندية، للشيخ الترابي، بحسب إفادته، أنهم رصدوا مخاطر ضده، وأبلغوا الشرطة التي لم تقم بواجبها، يثير علامات استفهام أكبر، خصوصاً أن المنفذ للمحاولة، حسب الترابي، بُرئ وأطلقته السلطات الكندية، واستضافه حاكم عربي.

وبالتالي، هناك ما يكفي لإثارة الشكوك في أن العملية كان وراءها قرار دولي بتنسيق إقليمي عربي، قد اتخذ قراره مبكراً في تحديد مصير الترابي، وقرار تصفيته. وبالتالي، فإن التقييم الغربي مجملاً قد تعزّز بعد زيارة الشيخ الترابي الولايات المتحدة.

هذه الثقافة العالمية الجديدة الإنسانية الكفاحية، بغضّ النظر عن أخطاء الترابي، خطر على المصالح الكولونيالية للغرب، وخطرها مزدوج هنا. فخطاب الترابي، بل مشروعه ثلاثي الأبعاد، إحياء إنساني مختلف للخطاب العروبي الإسلامي.

وهو الذي انعكس في عدة مشاريع تنفيذية قام بها سودان الترابي، لا نظام الإنقاذ، فتعززت العربية لغةً وتعليماً، وثقافة تآخٍ مع الإنسان الأفريقي، وليس خطاب تبشير ديني، كان له حظّه، فقد كانت دعوة إلى التضامن الأممي الجنوبي بين الأفارقة والعرب السودانيين بدأت تسري.

ولم تكن نبرتها عنصرية، ولكن كوارث الإنقاذ، وجرائم الجنجويد، أسقطتها، فلم تكن مشروعاً سياسياً بقدر ما كانت روح فكر ووحدة، فكيف إذاً حين يتحوّل المشروع إلى جامعة أفريقية إقليمية، تتحد ضد الذراع الغربي المتوحش، ولم تعد ثورة الترابي خطاباً، بل مشروعاً سياسياً، وهذا كان يكفي لحسم أمره.

* مهنا الحبيل كاتب عربي مستقل، مدير المكتب الكندي للاستشارات الفكرية.

المصدر | العربي الجديد