الخميس 28 مايو 2020 08:17 م

"ليس لدينا مشكلة مع قطر أو أي دولة أخرى، فنحن نبني علاقاتنا حسب المصالح".. قدمت العبارتان السابقتان خلاصة الرسالة الأساسية التي أراد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني "محمد حمدان دقلو"، توصيلها خلال حوار أجراه مع فضائية "سودانية 24"، وبثته الأخيرة في أول أيام عيد الفطر.

ولم تخل تصريحات قائد قوات الدعم السريع، المعروف باسم "حميدتي" من تناقضات واضحة، حيث أقر "حميدتي" بواقعة رفض أعضاء المجلس العسكري السابق استقبال وزير الخارجية القطري "محمد بن عبدالرحمن آل ثاني" بعد الإطاحة عسكريا بالرئيس السوداني السابق "عمر البشير" في 11 أبريل/ نيسان 2019 بدعوى حضوره دون استئذان، كما أشار إلى تقديمه مبادرة للمصالحة في ليبيا، زعم أن حكومة الوفاق وافقت عليها بينما رفضها الجنرال الليبي "خليفة حفتر".

ويتعارض التصريح الأول لـ"حميدتي" مع بيان أصدره المجلس العسكري تزامنا مع تداول أنباء عن وصول طائرة الوزير القطري إلى الخرطوم، وجرى خلاله نفي "وصول أي طائرة قطرية للأراضي السودانية"، فيما يتناقض التصريح الثاني مع تأكيد عضو المجلس الأعلى للدولة بليبيا "منصور الحصادي" لبرنامج "ما وراء الخبر" على قناة الجزيرة، في 25 مايو/أيار، على أن المجلس لا علم بمبادرة "حميدتي" المزعومة، مشيرا إلى أن المجلس سيطلب توضيحا من نائب رئيس مجلس السيادة السوداني.

ويشي ذلك بأن "حميدتي" ربما تعمد إطلاق هذه التصريحات التي تتعارض مع مواقف رسمية سابقة لبلاده، من أجل توصيل رسائل سياسية إلى أطراف سياسية بعينها من جانب، وخدمة لتطلعاته السياسية الشخصية من جانب آخر.

 

وعود زائفة

وكانت أبرز رسائل "حميدتي" في حواره من نصيب حلفائه التقليديين في الرياض وأبوظبي، حيث كشف نائب رئيس مجلس السيادة السوداني خلال الحوار، عن مصير الوعود السعودية الإماراتية بتقديم "دعم" بقيمة 3 مليارات دولار للسودان في المرحلة الانتقالية، عبارة عن منحة بقيمة 2.5 مليار دولار، ووديعة بمبلغ 500 مليون دولار، مشيرا إلى أن مبلغ الوديعة فقط هو ما وصل إلى البنك المركزي السوداني دون المنحة.

وفي سياق الانتقادات المبطنة التي وجهها للسعودية للسعودية والإمارات، اعترف "حميدتي" بأن عدم استقبال وزير الخارجية القطري كان "تصرفا خاطئا"؛ لأنه "من المفروض استقبالهم (القطريين) وقبولهم كالآخرين" حسب قوله.

وتشير مغازلة "حميدتي" إلى رغبته في فتح باب العلاقات مع الدوحة مجددا، كورقة ضغط من شأنها دفع السعودية والإمارات إلى الالتزام بوعود المساعدات المالية السابقة على أقل تقدير، وربما تقديم مساعدات إضافية لمساندة الخرطوم في مواجهة أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد.

ويبدو أن قائد قوات الدعم السريع كان بحاجة إلى هذه الورقة في ضوء ما كشفته مصادر موقع "ليبيا أوبزافر" حول مطالبة الإمارات له بإرسال 1200 مقاتل بشكل عاجل إلى الخطوط الأمامية الليبية لدعم قوات "حفتر" في جنوب طرابلس وغرب سرت، وإنقاذه من هزائمه المتوالية، مهددة بقطع الدعم المالي عنه إذا رفض.

لكن قيادات في الجيش السوداني عارضت الاستجابة للمطلب الإماراتي، بحسب المصادر، في ظل تواتر المؤشرات على سحب التأييد الدولي للجنرال الليبي المهزوم.

ويعبر تعليق للناشط السوداني "سعيد شكري"، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، عن مضمون رسالة "حميدتي"، إذ أشار إلى أن السودان قدم للسعودية في اليمن ما لم تقدمه مصر، عبر إرسال مقاتلين، لكن السعودية لم تقدم للسودان في المقابل 10% مما قدمته لمصر.

ولكن قائد قوات الدعم السريع حرص في الوقت نفسه على الحفاظ على الخطوط الرئيسية للولاء للرياض وأبوظبي، متهما قناة "الجزيرة" القطرية بأنها "موجهة قوات ضد الدعم السريع، وضد المجلس العسكري".

أهداف خاصة

خلال الحوار، دافع "حميدتي" باستماتة أيضا عن قوات الدعم السريع، ونفى مشاركتها في فض اعتصام محيط قيادة الجيش، الذي أدى لمقتل أكثر من 100 معتصم، زاعما أن وحدات الدعم السريع أوقفت في 11 إبريل/نيسان 2019 (يوم الإطاحة بالبشير) 18 مدرعة كانت في طريقها لمقر الاعتصام لإبادة كل المعتصمين.

كما نفى نائب رئيس مجلس السيادة السوداني مشاركة قوات من بلاده في الحرب الدائرة بليبيا إلى جانب "حفتر"، رغم أن حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليا، أعلنت في مارس/آذار الماضي عن مقتل 24 مسلحا سودانيا من فصائل الجنجويد السودانية الداعمة لـ "حفتر" وأسر اثنين من الفصائل نفسها، أكد أحدهما أنه سوداني من إقليم دارفور.

وتعد قوات "الدعم السريع" هي معقل قوة "حميدتي" ومفتاح نفوذه في النظام السياسي السوداني، وهو يسعى للحفاظ على ولاء هذه القوات في الوقت الذي يتطلع فيه للترقي السياسي طامحا في تولي منصب الرئاسة بعد المرحلة الانتقالية، حسبما نقلت "رويترز"  عن مصادر دبلوماسية في 23 أبريل/نيسان 2019.

لكن هذا التطلع يصطدم بافتقار تاجر الإبل السابق إلى "الشرعية السياسية"، سواء على المستوى الداخلي إثر تورط "الدعم السريع" في جريمة فض اعتصام الخرطوم، أو على المستوى الدولي، حيث ترفض واشنطن التعامل معه بسبب جرائم الحرب المتهم بارتكابها ضد حركات التمرد المسلح في إقليم دارفور، في عهد "البشير".

في ضوء ذلك، يقرأ مراقبون محاولات "حميدتي" لإقحام نفسه كوسيط في الأزمة الليبية بوصفها محاولة لاكتساب بعض الشرعية الدولية، حسب تقدير المحلل السياسي "ويليام دافيسون" من مجموعة الأزمات الدولية.

أما على مستوى الشرعية المحلية، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شمال تكساس "إبراهيم هيبة" أن دلالات تصريحات "حميدتي" تهدف في المقام الأول إلى تبرئة قوات الدعم السريع من شبهات الارتزاق؛ لأن ذلك من شأنه المس بشرعيته شخصيا والإضرار بتطلعاته السياسية، وفقا لما أورده "الجزيرة نت".

مؤشرات دالة

في السياق نفسه، تبرز عدة مؤشرات متزامنة على مساعي "حميدتي" لغسل سمعته وإعادة تقديم نفسه في ثوب جديد على الساحة السياسية، وهي محاولات شملت إعادة هيكلة منظومته الإعلامية الخاصة عبر تأسيس حسابات موثقة على مواقع التواصل الاجتماعي.

بالتزامن مع ذلك، بدا أن "حميدتي" حاول تخليص نفسه من تبعات بعد القرارات المثيرة للجدل التي تم اتخاذها خلال المرحلة الانتقالية، واصفا واقعة رفض استقبال وزير الخارجية القطري بأنها "مؤامرة جرت من داخل المجلس العسكري، قُصد بها الوقيعة مع قطر"، وزاعما أن بعض أعضاء المجلس العسكري اتصلوا بالقطريين ورتبوا زيارة وزير الخارجية دون إخطار أعضاء المجلس الآخرين، قبل أن يدعوهم لرفض استقباله بحجة أنه جاء بلا تنسيق مُسبق".

وفي الإطار ذاته، حذر نائب رئيس المجلس السيادي السوداني مما سماه "عدم التناغم الحالي بين شركاء الحكم" في البلاد، باعتبار أن ذلك قد يعمق الفشل الذي لازم المرحلة الأولى من الفترة الانتقالية، منوهاً إلى أنه اقترح في إحدى الجلسات المشتركة بين العسكريين والمدنيين "تقديم استقالة جماعية، بعد أن فشلت السلطة الانتقالية في وقف التدهور الاقتصادي وانهيار قيمة الجنيه السوداني وغلاء الأسعار".

ويذهب المحلل السياسي "عبدالله رزق" إلى أن تصريحات "حميدتي" تشي بأن هناك تصدعات داخل التحالف السياسي الحاكم بالسودان، بما يمثل بداية مرحلة لإعادة فرز واستقطاب جديد داخل القوى المكونة للسلطة الانتقالية، وفقا لما أوردته صحيفة الشرق الأوسط.

فالأوضاع الداخلية للسودان تبدو غير مستقرة، خاصة مع اقتراب إعلان نتائج التحقيق في قضية فض اعتصام الخرطوم، وإصرار بعض قوى "الحرية والتغيير"، المكون المدني للسلطة الانتقالية، على تحميل "حميدتي" مسؤولية الجريمة، ومن هنا جاءت محاولات إعادة هيكلة المنظومة الإعلامية لنائب رئيس مجلس السيادة وظهوره المتكرر للحديث عن وجود مؤامرة مزعومة عليه من بعض العسكريين، ولانتقاد أداء الحكومة المدنية.

وإزاء ذلك، يبدو أن المرحلة الانتقالية في السودان على وشك مواجهة مأزق حاد خاصة إذا ثبت تورط  وحدات عسكرية فض اعتصام الخرطوم، وهو ما قد يهدد اتفاق الشراكة الهش حول إدارة الانتقال السياسي بين المدنيين والعسكريين في البلاد.

المصدر | الخليج الجديد