الثلاثاء 2 يونيو 2020 07:18 ص

تحديات تواجه الداخل الأميركي

وقائع ونمطيتها يصعب الركون لكونها تجاوزات فردية من الفاعلين فالأمر يتعلق بثقافة كراهية توجّه سلوك هؤلاء ورؤسائهم.

تتراكم المشكلات العرقية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والصحية وتتفاقم بشكل تصعب السيطرة عليه ويُنذر بعواقب وخيمة.

*     *     *

تنبئ وقائع متتالية بأن الولايات المتحدة قد تكون مقبلة لأمد غير قصير على متاعب داخلية ليست الأولى من نوعها، لكن هذه المتاعب المحتملة تتضافر مع مشكلات اجتماعية واقتصادية و«عرقية» أخرى، ما يفاقم من حدتها.

وقد بدا في الأيام القليلة الماضية أن جزءاً من جهاز الشرطة بات في أنظار شرائح واسعة من بينهم مشرّعون في الكونجرس يتحمل مسؤولية سوء سلوك مخالف للدستور، أودى بحياة عدد كبير من المواطنين من ذوي الأصل الإفريقي.

وقد اندلعت موجة من الاحتجاجات العنيفة، إثر مقتل جورج فلويد (46 عاماً) أثناء عملية اعتقاله، بعد أن تمت شكوى بحقه مساء 25 مايو/أيار، بأنه يتداول قطعة نقدية ورقية مزيفة في متجر في مينيابوليس؛ أكبر مدن ولاية مينيسوتا.

وقد استسلم الرجل للشرطة دون مقاومة، إلا أن عملية الاعتقال شابها عنف ظاهر أدى إلى أن يلفظ أنفاسه. وقد تم تسريح رجال الشرطة الأربعة من وظائفهم، مع وعود من حاكم الولاية بإنفاذ العدالة.

لكن من دون توقيفهم وإحالتهم إلى التحقيق، وهو ما أثار موجة سخط عارمة في الولاية تخللتها أعمال سلب ونهب وإضرام النيران، ثم اتسعت أعمال العنف لتشمل مدناً أخرى.

وإذا ما وضع المرء في الاعتبار ظروف تفشي وباء فيروس كورونا، حيث تتصدر الولايات المتحدة دول العالم في عدد الإصابات والوفيات بالوباء، إلى جانب تقارير تحدثت عن ارتفاع نسبة الإصابة بالوباء والوفاة من جرائه في أوساط السود ومن هم من أصول أمريكية لاتينية، مع فقدان ملايين الوظائف، فإنه يمكن بالنظر إلى هذه الاعتبارات مجتمعة، قياس الدرجة العالية للتوترات الاجتماعية في هذه الآونة.

ويصبح الأمر مدعاة لقلق أكبر مع ظهور التجمعات الاحتجاجية التي تكسر قاعدة التباعد الاجتماعي الوقائية، مع عمليات الشحن النفسي والإعلامي، واتساع نطاق ترافقه حملة الانتخابات الرئاسية المقررة في نوفمبر المقبل.

وقد أعاد مقتل فلويد إلى الأذهان، وقائع عشرات من أعمال العنف التي ذهب ضحيتها أمريكيون سود في السنوات القليلة الماضية. وتكشف تقارير نشرتها صحيفة «واشنطن بوست»، أن 1014 شخصاً أسود قتلوا على يد الشرطة عام 2019.

وهو رقم مُفزع، ويصعب في ضوء تكرار الوقائع ونمطيتها الركون إلى كونها تجاوزات فردية من الفاعلين؛ إذ يتعلق الأمر بثقافة كراهية توجّه سلوك هؤلاء ورؤسائهم.

وتتضاعف المحاذير بالنظر إلى كون الضحايا ينتمون إلى عرق بعينه، مما يهدد النسيج الاجتماعي؛ إذ لاحظت التقارير أنه بين كل أربعة ضحايا، فإن هناك ثلاثة من هؤلاء من أصل إفريقي.

ولن يكون مستبعداً أن الحملات الممنهجة على المهاجرين وعلى بعض الأعراق التي تفشت في السنوات القليلة الماضية، قد لعبت دوراً في تغذية نزعة الكراهية، وتالياً في التسبب في التعسف المريع في إنفاذ القانون.

ويسترعي الانتباه أنه قبل عقد من الزمن، تراجع إلى حد كبير التأشير إلى ألوان بشرة الناس في الفضاء العام، بما كان يؤشر إلى انتهاء المشكلة العرقية وشيوع ثقافة المساواة أمام القانون وفي أنظار العامة.

غير أن تعبير الأمريكيين السود عاد منذئذ إلى الظهور والتداول، في خطوة ارتدادية إلى الوراء.. إلى نحو نصف قرن. وقد بدأت تظهر حراكات تحمل لواء الدفاع عن الضحايا وتنبذ العنف بحقهم، مثل حراك «حياة السود مهمة»، ما يعيد إلى الأذهان سيرة الحركات الاجتماعية المناهضة للتمييز العنصري قبل ستة عقود.

وأمام هذه التوترات التي تأتي في ظرف شديد الصعوبة، فإن الآمال معلقة على نجاح المؤسسات الأمريكية في اتخاذ إجراءات تشريعية وقانونية للحد من هذه الانحرافات الجسيمة والمتتابعة، وأن تنأى هذه المؤسسات جميعها عن التجاذبات الحزبية في معالجتها الواجبة لهذه الظاهرة.

وسوى ذلك، فإن المشكلات العرقية ستتراكم مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والصحية التي تزداد اتساعاً، وعلى نحو قد تصعب السيطرة عليه وينذر بعواقب وخيمة، في النصف الثاني من العام الجاري.

علماً بأن المشكلات قائمة على أرض الواقع وفي حياة الناس، وفي نفوس البعض ممن يمارسون السلطات، ولا تكمن في وسائل الإعلام وفي منصات التواصل الاجتماعي، فالإعلام من دون التقليل من أهميته وتأثيره هو مرآة للواقع.

* محمود الريماوي كاتب وصحفي وروائي أردني/فلسطيني

المصدر | الخليج - الشارقة