200 حزب في تونس: محاسن التعددية ومساوئ المغامرة

مؤسسات دستورية مثل المحكمة الدستوريّة وهيئة مكافحة الفساد ما تزال في طور الولادة.

تجربة تونس الديمقراطية الوليدة لا تسمح بمغامرة تخطي القوانين والأسس والنواظم لفرض تغييرات جوهرية في حياة البلاد.

على النخب السياسية وأحزابها الحفاظ على التجربة التونسية وهنا الفارق بين محاسن التعددية والتعبير الحر ومساوئ المغامرة وتصفيات الحساب.

*     *     *

لعل من محاسن التجربة الديمقراطية الراهنة في تونس أن يكون في البلد أكثر من 200 حزب سياسي، تتنافس بطريقة سلمية في تجسيد التعددية السياسية والاجتماعية والعقائدية، وتتيح للمواطن التونسي طيفاً واسعاً من خيارات الانتماء الحزبي والانخراط في الشأن العام، إلى جانب ممارسة حق التعبير عن الرأي عبر صندوق الاقتراع.

غير أن لهذه السمة أبعادها السلبية كذلك، الناجمة بصفة محددة عن عمر التجربة الديمقراطية القصير، وهشاشة المكونات البنيوية لأحزاب حديثة العهد ومحدودة الخبرات، فضلاً عن الظاهرة التي باتت تُسمى «السياحة البرلمانية» حيث يستسهل بعض النواب التنقل بين كتلة وأخرى وبالتالي التسبب في مزيد من تفكيك أغلبية ضعيفة أصلاً وعاجزة عن استصدار تشريعات ضرورية ونوعية.

وليس أكثر تمثيلاً للتداعيات السلبية في هذا المشهد من الحملة التي يقودها «الحزب الدستوري الحر» ضد «حركة النهضة» عموماً وزعيمها رئيس البرلمان راشد الغنوشي شخصياً، والتي تطالب بتنحي الأخير وحلّ البرلمان وإقامة الجمهورية الثالثة، وتنظم سلسلة اعتصامات رغم الحجر الصحي المفروض على البلاد بسبب جائحة كورونا.  

والملاحظ أولاً أن هذه الحملة لا تحظى بتأييد غالبية الأحزاب، سواء تلك المنخرطة في تحالف مع «النهضة» داخل البرلمان وتشكل الأغلبية التي تغطي حكومة إلياس الفخفاخ، أو الأحزاب المعارضة داخل البرلمان وخارجه، أو حتى بعض الشخصيات القيادية ضمن «الدستوري الحر» ذاته.

ذلك لأن مطالب مثل حل البرلمان وتغيير النظام السياسي الراهن لها نواظم واضحة وصريحة في الدستور التونسي، ولا تخالفها إلا تلك القوى التي تعجز عن اللجوء إليها لأنها أصلاً لا تملك أغلبيات شرعية تكفل تفعيلها وتطبيقها.

كذلك فإن التجربة الوليدة للديمقراطية التونسية لا تسمح بمغامرة تخطي القوانين والأسس والنواظم لفرض تغييرات جوهرية في حياة البلاد، خاصة وأن مؤسسات دستورية أخرى مثل المحكمة الدستوريّة وهيئة مكافحة الفساد ما تزال في طور الولادة.

وفي الأساس لم تكن التوازنات التي أفرزتها نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة مستقرة تماماً ومحسومة لصالح أي تكتل، وإلا فكيف يفسر وجود الفخفاخ على رأس الحكومة وهو لا يملك أي نائب في البرلمان؟

والمؤشرات الراهنة العديدة تؤكد أن أولويات الشارع الشعبي التونسي ليست إذكاء الصراعات المفتعلة تحت قبة البرلمان بين تيارات «إسلامية» وأخرى «علمانية»، أو تغيير النظام السياسي المعمول به حالياً بطريقة قسرية وعن طريق الاعتصامات الفئوية المحدودة، أو تأثيم رئيس البرلمان بسبب اتصال مع حكومة جارة شرعية وتحظى باعتراف المجتمع الدولي.

وإن التركيز على هذه الأجندات بدل تحميل البرلمان والأحزاب مسؤولية التكاتف لسن التشريعات الخاصة بمعالجة مشكلات الاقتصاد والبنية التحتية والبطالة والأسعار ومستوى المعيشة والفساد، يعني التخلي عن واجب سياسي وأخلاقي لصالح مطامح حزبية صغيرة وصراعات إيديولوجية ضيقة.

ومن نافل القول إن التجربة التونسية تظل حتى الساعة هي الناجية الوحيدة بين جميع انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، ومن واجب أبنائها بذل كل الجهود للحفاظ عليها أولاً، ثم صيانة مكتسباتها وتطويرها والارتقاء بها كي تترسخ أكثر فأكثر كنموذج يثبت أن الشعب العربي جدير بالديمقراطية.

وهذا عبء يقع على عاتق النخب السياسية وأحزابها في المقام الأول، وإنه أيضاً الفارق بين محاسن التعددية والتعبير الحر عن الرأي، ومساوئ المغامرة وتصفيات الحساب.

المصدر | القدس العربي