السبت 6 يونيو 2020 12:03 م

شهر مصيري

لا يوجد إلّا خيار واحد واقعي اليوم: انتفاضة سلمية شعبية وتحويل احتلال "الديلوكس" الإسرائيلي إلى جحيم.

الإدارة الأميركية تنظر باستخفاف شديد للتحذيرات من تدهور الأوضاع، ولم يُخف ترامب عدم قناعته بتلك التحذيرات.

إذا لم يكن هنالك إجراء واقعي ضد الضم أقوى من التحذيرات الديبلوماسية أو وقف التنسيق الأمني، فالنتيجة ستكون كارثيةً بمعنى الكلمة.

*     *     *

ينظر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى الفترة الحالية بوصفها مرحلة ذهبية للمضي في تنفيذ مشروعه، ضم مناطق في الضفة الغربية والأغوار، قبيل الانتخابات الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، تحسّباً لأي مفاجأة، في حال لم ينجح الرئيس دونالد ترامب.

يمضي نتنياهو في مشروعه مؤيداً بقوة من صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، الذي يمسك بملف "صفقة القرن"، مستبعداً وزير الخارجية بومبيو، ويؤازره في ذلك السفير الأميركي لدى إسرائيل، اليميني أكثر من اليمين الإسرائيلي، ديفيد فريدمان.

ولم يعد سرّاً أن كوشنر مارس ضغوطاً كبيرة على الدول العربية لإعلان تأييد الصفقة الأميركية عشية الإعلان عنها.

أعلنت السلطة الفلسطينية وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، في تلويح واضح لخطورة الضم وتنفيذ الصفقة بصورة أحادية، كما صعّد ملك الأردن، عبد الله الثاني، من مستوى المواجهة الديبلوماسية في تصريحاته أخيراً لمجلة دير شبيغل الألمانية، محذّراً من مواجهة إسرائيلية - أردنية (وفلسطينية بالضرورة).

فيما الإدارة الأميركية لا تزال تنظر، باستخفاف شديد، إلى التحذيرات من تدهور الأوضاع، ولم يُخف الرئيس ترامب عدم قناعته بذلك، مستدلاً بتحذيرات الملك من نقل السفارة الأميركية إلى القدس (قبل قرابة عامين)، فلم يحدث سوى مظاهرات محدودة!

خطورة الضم لا تعني فقط نهاية حلم الدولة الفلسطينية، أو انهيار القضية الفلسطينية، بل هي بمثابة مرحلة جديدة شبيهة بوعد بلفور، فإذا لم يكن هنالك إجراء واقعي أقوى من التحذيرات الديبلوماسية أو وقف التنسيق الأمني، فإنّ النتيجة ستكون كارثيةً بمعنى الكلمة.

ما الخيار الحقيقي الواقعي الذي بالفعل يؤثر على قرار الإدارة الأميركية، ويحرّك المياه الراكدة، ويضع نتنياهو في الزاوية، ويحبط دعواه (مع كوشنر) بما يسمى "السلام الإقليمي" (تمرير الصفقة والتطبيع مع دول عربية بذريعة مواجهة الخطر الإيراني)؟

لا يوجد إلّا خيار واحد فقط واقعي اليوم، يتمثل بالانتفاضة السلمية الشعبية، وتحويل احتلال الديلوكس الإسرائيلي إلى جحيم، والرد العملي على مواقف الرئيس الأميركي واستعدادات نتنياهو للإعلان رسمياً عن الضم في بداية شهر يوليو/ تموز المقبل.

إذاً الشهر الحالي، يونيو/ حزيران، حاسم بكل معنى الكلمة، والقاعدة الصلبة التي ستغيّر كل المعطيات الحالية، وتقلب الحسابات الأميركية - الإسرائيلية، وتعيد ترصيص المواقف العربية والإسلامية هي انتفاضة فلسطينية سلمية، تأخذ طابعاً شعبياً حقيقياً.

فتح الباب للانتفاضة الشعبية لن يتوقف عند حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل سيوقظ الشارع العربي، وسيعيد بناء المواقف الرسمية والشعبية العربية، وبالضرورة سينشّط المواقف الديبلوماسية الغربية، بخاصة الأوروبية.

والمعروف أنّ كوشنر هو من عطّل محاولات الأردن لعقد اجتماع للجنة الرباعية، وهو الذي يعمل على الانفراد بالموقف الفلسطيني وإضعاف الموقف الأردني ضد خطوات نتنياهو وتحييده.

لا توجد اليوم أي ورقة حقيقية للضغط على تحالف اليمين الأميركي - الإسرائيلي إلّا إشعال الأراضي المحتلة، وأي أوهام غير ذلك بمثابة تغميس خارج الصحن، ولن تؤثر في موازين القوى الحالية.

وهو أمر يراهن الإسرائيليون والأميركيون، للأسف، على أنّه لن يحدث، وعلى أنّ العالم العربي في غيبوبة، والسلطة الفلسطينية لا تملك أي قدرةٍ على العودة إلى هذا الخيار!

بغير الانتفاضة السلمية، سيكون موقف السلطة الفلسطينية في الزاوية تماماً، إما إضعاف قرارها وقف التنسيق الأمني، وإحداث اختراق إسرائيلي فيه، أو انهيارها في حال تضاعفت التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية، والتحضير لحلول إسرائيلية أخرى، مثل "الحكم المحلي" والبلديات البديلة عن السلطة، واستثمار الانهيار الاستراتيجي العربي الراهن.

من الضروري أن يكون هنالك قرار استراتيجي فلسطيني - أردني بدعم أي انتفاضة سلمية، لأنّها طوق النجاة وجدار الحماية الوحيد اليوم ضد إنهاء القضية الفلسطينية، ليس فقط على صعيد الدولة والأرض، بل حتى إعادة تعريف اللاجئين والضغوط على وكالة الغوث (أونروا).

أي كلفة ستترتب على الانتفاضة السلمية لن تذكر مع الكلفة الكبيرة اليوم على الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية، وعلى حقه في تقرير المصير، وحتى على الأنظمة العربية المتراخية، وبعضها متواطئ مع هذه الخطوات الخطيرة، ما الذي سيغير ذلك كلّه؟.. انتفاضة فلسطينية ودعم شعبي عربي فقط لا غير.

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق.

المصدر | العربي الجديد