السبت 6 يونيو 2020 03:07 م

في فبراير/شباط 2019، بعد إعلان الرئيس "عبدالعزيز بوتفليقة" عن نيته الترشح لولاية خامسة على التوالي، شهدت الجزائر اندلاع حركة احتجاج جماهيري في جميع أنحاء البلاد.

ونزل ملايين المواطنين إلى الشوارع لمطالبة الرئيس بإلغاء ترشحه، ما دفع "بوتفليقة" في نهاية المطاف إلى التنحي في أبريل/نيسان 2019، بعد عقدين من الحكم.

وبالرغم من استقالة الرئيس، استمرت حركة الاحتجاج، المعروفة باسم "الحراك"، في تنظيم المظاهرات لأشهر بعد ذلك، ولم تتوقف تلك المظاهرات إلا في مارس/آذار 2020 بسبب جائحة كورونا، مع توسع مطالب المتظاهرين لتشمل الإصلاح الديمقراطي واسع النطاق.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، التقى ما يقرب من مليون متظاهر في جميع أنحاء لبنان، يشكلون ما يقرب من ربع سكان البلاد، بشكل جماعي في الشوارع للتظاهر ضد حكومتهم.

وكما هو الحال في الجزائر، بدأت هذه الاحتجاجات في البداية ردا على إجراء معين، وهو، في حالة لبنان، ضريبة حكومية على مكالمات الصوت عبر الإنترنت (VoIP)، لكنها استمرت حتى بعد أن تراجعت الحكومة بشأن الضريبة، وبعد أن قدم رئيس الوزراء "سعد الحريري" استقالته.

ويركز المتظاهرون اللبنانيون الآن على التغيير السياسي الشامل، ويدعون إلى إنهاء ترتيب تقاسم السلطة الطائفي طويل الأمد في البلاد.

وفي حين حققت الحركات الاحتجاجية في البلاد انتصارات كبيرة، بقيت هياكل الحكم في الجزائر ولبنان، والطبقة السائدة التي تستفيد من الوضع القائم، كما هي في الأساس، ولا تزال أهداف المتظاهرين للإصلاح الديمقراطي الفعال بعيدة المنال.

وأسفرت الانتخابات الرئاسية الجزائرية، في ديسمبر/كانون الأول 2019، عن فوز "عبدالمجيد تبون"، المحسوب على النظام القديم، حيث شغل سابقا منصب رئيس الوزراء في عهد "بوتفليقة".

وبالرغم أن "تبون" شرع في عملية إصلاح انتقالية منذ توليه منصبه، فقد انتقدت جماعات المعارضة والخبراء القانونيون التغييرات التي اقترحتها إدارته باعتبارها تجميلية.

وبالمثل، بينما شكل لبنان حكومة تكنوقراط جديدة بعد حل حكومة "الحريري"، فإن العديد من أعضاء الحكومة الجدد ينتمون إلى الأحزاب السياسية القوية في البلاد.

وفي الوقت الذي يتطلع فيه المتظاهرون اللبنانيون لتحقيق مطالبهم في الإصلاح، يمكنهم الاستفادة من نجاحات وتعثرات أقرانهم في الجزائر.

نجاحات الجزائر.. الحفاظ على الاستقلال واللاعنف

الطابع غير الحزبي وغير المؤدلج 

كان العنصر الأساسي في نجاح "الحراك" هو طبيعته غير الحزبية وغير المؤدلجة.

ووحدت الحركة، في البداية على الأقل، المواطنين من مجموعة واسعة من الأجيال والطبقات الاقتصادية والديموجرافية والسياسية والجماعات العرقية، على هدف واحد وهو المطالبة بشكل جماعي بالتغيير الديمقراطي.

وبينما حاول النظام إثارة الشقوق القائمة على الهوية داخل الحراك، بما في ذلك اعتقال المتظاهرين لحملهم العلم الأمازيغي بتهمة "تقويض الوحدة الوطنية"، فشلت هذه التكتيكات في تقويض تماسك الحركة، حيث استمر المتظاهرون في تأكيد تضامنهم. وكان هذا التأكيد سمة مميزة للحراك، ما عزز شرعية الحركة ونفوذها.

روح السلام

وكان هناك عامل رئيسي آخر في قوة الحركة وصمودها، وهو التزامها الراسخ باللاعنف. واعترافا بانزعاج المواطن من التظاهرات الكبيرة منذ "العشرية السوداء"، في الفترة من 1991 إلى 2002، حرص محتجو "الحراك" على إظهار تفانيهم في السلام وعدم الإضرار بالمجتمع المدني، بما في ذلك صور مثل تنظيف الشوارع وطلاء الأحياء بعد تنظيم الاحتجاجات، والهتاف بانتظام "سلمية سلمية" في المظاهرات.

ووزع المتظاهرون الزهور على الشرطة في المظاهرات. وردا على تهديد الشرطة بإطلاق خراطيم المياه عليهم، جلب أعضاء "الحراك" نباتات منزلية إلى الاحتجاجات للري في سخرية سلمية من التهديد.

ومن المرجح أن هذه الجهود قطعت شوطا طويلا نحو الحصول على دعم من المواطنين الجزائريين، الذين ربما كانوا متخوفين من أن المظاهرات ستعرض استقرار البلاد للخطر، ومن شبه المؤكد أنها خففت من رغبة الانتقام لدى قوات الأمن.

أوجه القصور في الجزائر.. انعدام القيادة والافتقار إلى خارطة طريق واضحة للإصلاح

هيكل بلا قيادة

 كانت السمة المميزة للحراك الجزائري هي طبيعته التي لا تستند إلى قادة، وتستند بدلا من ذلك إلى الإجماع.

وبدلا من مجموعة من الممثلين الذين يخططون ويديرون المظاهرات، يتم تنظيم الاحتجاجات بشكل جماعي من خلال شبكة من الاقتراحات على مجموعة من مئات صفحات الفيسبوك، التي يصوت فيها الناشطون أيضا على شعارات الاحتجاج.

وجعل هذا الهيكل اللامركزي على المستوى الشعبي من الصعب على النظام أن يسيطر على الحركة أو يقمعها أو يخنقها، لكن ذلك أثبت أيضا أنه سيف ذو حدين، تاركا الحراك بدون آلية ملموسة لمواجهة التفتت الداخلي.

وانقسم أعضاء "الحراك" حول شرعية انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2019، على سبيل المثال، وشهدت الحركة تناقصا في المشاركة منذ إجراء الانتخابات.

وبدون مجموعة من القادة يمكنهم التوسط في التنازلات بين المجموعات المختلفة، وإنشاء منصة موحدة للحركة، يخاطر الحراك بأن يتفتت أكثر فأكثر، وأن يفقد الدعم في نهاية المطاف.

عدم وجود خارطة طريق

 أما الضعف الإضافي للحراك هو افتقاره إلى رؤية استراتيجية متماسكة لمستقبل الجزائر.

وبالرغم أن الأعضاء اجتمعوا عدة مرات لإنتاج بيانات تحدد الأهداف المشتركة للحركة، إلا أن الخطط التي حظيت بموافقة الناشطين كررت بشكل عام شعارات الاحتجاج، وركزت على التطلعات الغامضة طويلة المدى، مع القليل من الخطوات الفورية أو المحددة أو التوصيات الواقعية.

وأبرزت منصة فبراير/شباط 2020، التي أنتجها أعضاء الحراك، على سبيل المثال، التزام الحركة بـ"عقد سياسي جديد يمثل الإرادة الشعبية" و"مكافحة الفساد السياسي والاقتصادي". لكنها لم تقدم أي تفاصيل حول كيفية تحقيق هذه الأهداف.

وبالمثل، تضمنت خارطة الطريق التي أنشأتها مجموعات المجتمع المدني في يونيو/حزيران 2019 مطالب لتشكيل حكومة انتقالية ولجنة انتخابية مستقلة، لكنها ظلت غامضة حول الخطوط المحددة أو عملية إنشاء هذه الهياكل.

وفي المقابل، سمح افتقار الحركة لرؤية براجماتية مشتركة، أو خطة رئيسية لبرنامج التغيير، بامتصاص النظام كل الأكسجين السياسي ليصبح ببطء الخيار الواقعي الوحيد للإصلاح، دون أي مساهمة هادفة من "الحراك".

الطريق إلى لبنان

وفي الوقت الراهن، في ظل غياب سرد إصلاحي مقنع أو خطة واقعية واضحة المعالم من "الحراك"، فإن النسخة الحالية من الجزائر بقيادة "تبون" تخلق حالة طبيعية جديدة مع تغيير القليل جدا من هيكل السلطة الذي حاربه "الحراك".

ومع ذلك، تقدم كل من النجاحات وأوجه القصور في الحراك الجزائري العديد من الدروس للمتظاهرين اللبنانيين لوضع أنفسهم بشكل أفضل لدفع التغيير السياسي على المدى الطويل.

أولا، من الضروري الحفاظ على اللاعنف والبقاء فوق النزاع الحزبي والطائفي لكسب الدعم الجمعي وبناء شرعية للحركة.

ومن الأفضل للمتظاهرين اللبنانيين اتباع نظرائهم الجزائريين في الاستمرار في مقاومة تمييز أي مجموعة سياسية أو عرقية معينة، وبقاء حركة الاحتجاج شمولية وسلمية.

ثانيا، يجب على المتظاهرين العمل على وضع أهداف واستراتيجيات واضحة لحركتهم لتجنب الفشل أو الوقوع في الاقتتال الداخلي بينما يقوم النظام بتطوير إصلاحاته التجميلية الخاصة.

وعلى الناشطين اللبنانيين العمل على رسم خرائط طريق متماسكة ومفصلة وواقعية للإصلاح.

وأخيرا، يمكن أن تنجح الحركات الاحتجاجية بدون هياكل القيادة وخرائط الطريق العملية للإصلاح في إحداث تغييرات قصيرة المدى. ولكن لإزاحة النخبة الحاكمة الراسخة وإجبار الحكومة على تجاوز السيناريو المتكرر بتقديم التضحية الرمزية والمضي قدما، يجب على الناشطين اختيار مجموعة من الممثلين الذين يمكنهم الحفاظ على انضباط الحركة وتوحيد المتظاهرين في إطار أجندة واضحة وواقعية للتغيير، وإلا، فإنهم يخاطرون بفقدان الزخم مع السماح للنظام بتعزيز الوضع الراهن.

المصدر | مهباري ستوديه - معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد