السبت 6 يونيو 2020 05:30 م

يمكن القول إن الدعم العسكري التركي قلب الموازين لصالح حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة في الحرب التي شنها الجنرال "خليفة حفتر" على العاصمة طرابلس منذ أبريل/نيسان 2019، حيث استعادت قوات حكومة الوفاق مناطق رئيسية في غرب ليبيا خلال الأسابيع الماضية.

أما بالنسبة لروسيا التي تلعب دورًا محسوبًا وقويًا في الوقت ذاته في الصراع بدعمها لـ"حفتر"، فقد تعمل الآن على تكييف استراتيجيتها مع الوضع، خاصة مع التقارير التي تفيد بأن موسكو سحبت العديد من مقاتلي الخطوط الأمامية الذين يعملون جنبًا إلى جنب مع قوات الجيش الوطني الليبي التابع لـ"حفتر".

سعي قديم للنفوذ

لطالما سعت روسيا لإدخال ليبيا إلى مجال نفوذها المنشود، ففي عام 1945، سعى "جوزيف ستالين" دون جدوى إلى الوصاية على محافظة طرابلس الغربية في ليبيا، ومع ذلك، شهد عهد "معمر القذافي" علاقات إيجابية مع موسكو حيث أصبحت ليبيا عميلاً مهمًا يشتري الأسلحة من الاتحاد السوفياتي منذ السبعينيات إلى ما بعد تفكيك الكتلة السوفيتية في عام 1991.

لكن الثورة المدعومة من حلف الناتو في عام 2011 ضد "القذافي" أفقدت موسكو حليفًا لها، وبالتالي فقدت نفوذها، على الرغم من أنها حاولت إعادة تأسيس نفسها في ليبيا من خلال توسيع مشاركتها في البلاد، حيث وقعت شركة النفط الروسية "روسنفت" اتفاقية طاقة مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط في عام 2017، لتعزيز المصالح الاقتصادية لموسكو.

يقود الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" السياسة الخارجية الجريئة لموسكو ويبدو أنه يسعى إلى إنشاء موطئ قدم في الفناء الخلفي لأوروبا، حيث أصبحت روسيا داعمًا رئيسيًا لـ"حفتر" بعد أن برز وسط حالة عدم الاستقرار في ليبيا بعد الثورة.

لقد ساعد نفوذ روسيا في مجلس الأمن الدولي على إفلات "حفتر" من العقاب الدولي، ففي أبريل/نيسان 2019، عرقلت موسكو قرارًا لمجلس الأمن الدولي في إطار سعيها لتعزيز حملة "حفتر".

كما قامت منظمة شبه عسكرية روسية، تُعرف باسم مجموعة "فاجنر"، بنشر المرتزقة للقتال في ليبيا. وكشف تقرير للأمم المتحدة تم تسريبه في 8 مايو/أيار أن "فاجنر" استخدمت حوالي 1200 من المرتزقة إلى جانب قوات "حفتر".

وفي مارس/آذار، قدر وزير الداخلية بحكومة الوفاق الوطني "فتحي باشاغا" أن هناك ما بين 1400 و2000 من مرتزقة "فاجنر" يعملون في ليبيا. ويكشف وجود العديد من المقاتلين التابعين للنظام السوري، هدف موسكو السابق في ربط كل من حلفائها "الأسد" و"حفتر" لتعزيز مجال نفوذها الإقليمي.

يعترف "بوتين" نفسه بعمليات "فاجنر" لكنه يدعي أن مالكيها ليس لديهم أي صلة بالكرملين، فيما يبدو تغطية على تدخل موسكو في البلاد، ورفضت روسيا أيضًا تقرير الأمم المتحدة ووصفته بأنه "تكهنات".

ومع ذلك، قامت روسيا أيضًا بتسليح قوات "حفتر" بشكل مكثف ومباشر، إلى جانب آخرين، بما في ذلك مصر وفرنسا والإمارات.

اتهمت وزارة الخارجية الليبية لحكومة الوفاق في 21 مايو/أيار موسكو بإرسال 8 طائرات حربية جديدة إلى "حفتر".

لطالما شجب الغرب دور روسيا في ليبيا، ففي الآونة الأخيرة، أدانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة موسكو بعد تقرير الأمم المتحدة الذي سلط الضوء على وجود المرتزقة في موسكو.

وقال السفير الأمريكي في ليبيا "ريتشارد نورلاند" إن المرتزقة "لا يحترمون سيادة ليبيا وأمنها الإقليمي".

ومع ذلك، ففي الوقت الذي ينظر فيه إلى وجود روسيا على أنه استفزازي، فإن إخفاقات واشنطن وأوروبا في التوسط لحل سلمي فعال لليبيا مكن موسكو من أن تصبح لاعباً أكبر.

روسيا لا تحرق الجسور

وقد عكس وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه روسيا وتركيا في يناير/كانون الثاني مكانة موسكو المتزايدة كوسيط قوي، إلى جانب أنقرة، على الرغم من أنه فشل بعد أن جدد "حفتر" هجومه.

وبالرغم أن الادعاءات بأن روسيا قد تسحب دعمها لـ"حفتر" مبالغ فيها، فإن دعم موسكو للجنرال ليس مطلقًا.

فقد اتبعت موسكو نهجا متوازنا في ليبيا، في محاولة للحفاظ على التواصل مع جميع الأطراف، بما في ذلك حكومة الوفاق الوطني وتركيا.

وبحسب ما أوردته الأنباء، فكرت موسكو حتى في دعم "سيف الإسلام" نجل "القذافي" ليصبح رئيس ليبيا قبل هجوم "حفتر".

وقال "ديمتري بيسكوف" المتحدث باسم الكرملين في أبريل/نيسان: "في موسكو، ما زلنا مقتنعين بأن الحل الوحيد الممكن في ليبيا هو من خلال الاتصالات السياسية والدبلوماسية بين جميع الأطراف".

كما أعرب "بيسكوف" عن دعمه لمؤتمر برلين الفاشل في يناير/كانون الثاني، لتعزيز وقف إطلاق النار.

وسعيا للاحتفاظ بالعلاقات مع حكومة الوفاق الوطني، أدان وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" ما أعلن "حفتر" أنه "تفويض من الشعب الليبي" في أبريل/نيسان، مشيرًا إلى أن موسكو تعارض مباشرة إنهاء المحادثات السياسية.

بعد انتصارات حكومة الوفاق الأخيرة وهيمنة تركيا اللاحقة في ليبيا، يجادل بعض المحللين بأن روسيا وتركيا قد تنخرطان في المزيد من محادثات السلام، الأمر الذي قد يحد أيضًا من تأثير الدول الأخرى المنخرطة.

وقال "عماد الدين بادي" وهو زميل رفيع في المجلس الأطلسي للأبحاث: "من المحتمل أن نرى تقارب دبلوماسي مجددًا بين تركيا وروسيا يتم تصميمه لوقف جميع القوى الأخرى فيما تعمل أنقرة وموسكو كوسيط نفوذ في الغرب وشرق ليبيا".

بما أن روسيا لم تحرق أي جسور في ليبيا -بخلاف الإمارات التي تدعم "حفتر" بقوة وبالتالي لديها علاقات سيئة مع حكومة الوفاق الوطني- فيمكنها أيضًا تجربة دعم جهات فاعلة بديلة.

إن مكانة روسيا كقوة عظمى تمنحها بطبيعة الحال المزيد من النفوذ على جميع الجوانب، ويمكنها أيضًا مقاومة المزيد من الضغوط الإماراتية لدعم "حفتر" بالكامل.

وبالنظر إلى عزم "حفتر" لمواصلة هجومه، وموقف روسيا الأكثر توازناً، فإن هناك تعارضًا في أهدافهما؛ حيث إنه من الواضح أن موسكو تستخدم "حفتر" فقط كأداة قصيرة المدى للتأثير.

مجالات استغلال النفوذ

من المحتمل أن تستمر روسيا في دعم "حفتر" في الوقت الراهن؛ حيث لا يزال أقوى شخصية في شرق ليبيا. ومع ذلك، ستستمر موسكو في تقييم الخيارات الأخرى، خاصة إذا كان دعمها لـ"حفتر" يؤتي ثمارًا قليلة أو معدومة.

وقد تسعى روسيا حتى إلى العمل مع لاعبين آخرين في شرق ليبيا، مثل "عقيلة صالح"، زعيم مجلس النواب في طبرق.

وقال "مارك كاتز" أستاذ الحكومة والسياسة في جامعة "جورج ميسون" لـ"إنسايد ارابيا": "أعتقد أن موسكو كانت على استعداد لدعم حفتر طالما رأته فائزًا ويمكن توحيد ليبيا تحت قيادته، ولكن تبين الآن أنه خاسر، والسؤال هو ما إذا كانت موسكو ستحاول العثور على حلفاء آخرين في شرق ليبيا، أو تحقيق السلام مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، أو كليهما".

وأضاف: "قد تكون موسكو راضية الآن بنفوذها على الشرق وعلاقاتها الجيدة مع حكومة طرابلس، ولا شك أن موسكو في الغالب ستقدم خدماتها كوسيط بين الشرق والغرب".

هناك تكهنات بأن ليبيا قد تنجرف نحو التقسيم بحكم الواقع إذا فشل أي من الجانبين المتحاربين في تحقيق مكاسب دائمة وهزيمة خصمه، وإذا استمرت محادثات التوحيد في التعثر، مع سيطرة حكومة الوفاق الوطني في الغرب والجيش الوطني الليبي في الشرق.

يشير صراع روسيا على النفوذ إلى كيفية استخدام ليبيا وشعبها كبيادق لطموحات جيوسياسية دولية مختلفة.

يمنع مثل هذا التدخل البلاد من الوصول إلى الاستقرار، ولن تخدم جهود السلام المستقبلية مصالح الليبيين الخاصة، وإنما مصالح دول مثل روسيا والدول الأخرى المشاركة في الصراع.

المصدر | جوناثان فينتون هارفي - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد