الأربعاء 10 يونيو 2020 04:17 ص

قطر بعد ثلاثة أعوام الاستثمار في المستقبل

مرت قطر اقتصاديا وسياسيا بتحولات كبيرة كان دافعها الأساسي التحديات الناجمة عن الحصار.

سيستمر جهد بناء الاقتصاد المحلي الذي يشكل هاجس أمن وطنيا قبل أن يكون أولوية اقتصادية.

تجاوزت قطر سياقها الإقليمي وحجمها الإستراتيجي ونجحت في تحقيق مكاسب وإطلاق مبادرات دولية

قطر الجديدة هي دولة فاعلة في السياق الدولي مستمرة في الاتجاه نحو الحوكمة الرشيدة الشاملة واقتصاد وطني صلب

*     *     *

ثلاثة أعوام مرت على انطلاقة قطر الجديدة، تلك الانطلاقة التي جاءت مدفوعة بأزمة لا مبرر لها ولا منطق خلفها، وحيث إن القارئ الكريم أصبح ضليعاً في تفاصيل الأزمة وتداعياتها لم يعد اجترار ما حدث وتبيان المواقف فيه ذا أهمية، ولكن المهم اليوم هو الحديث عن مستقبل قطر والمنطقة في ظل التطورات الأخيرة، وكيف يمكن لواقع الأزمة الحالي أن يؤثر على السيناريوهات المختلفة.

عندما نقول إن الخامس من يونيو لعام 2017 كان انطلاقة جديدة لقطر فلا نقصد بذلك مجرد المناكفة السياسية، فواقع الأمر أن قطر على مستوى الاقتصاد والسياسة الخارجية والمحلية مرت بتحولات كبير ة كان دافعها الأساسي التحديات الناجمة عن الحصار والاتجاه السياسي الإقليمي والدولي الذي رافقه.

فعلى مستوى الاقتصاد تحول الاهتمام بشكل كبير باتجاه الاكتفاء الذاتي والذي تحقق بشكل كبير في العديد من السلع الاستهلاكية وتحول لنمط سلوكي في الاقتصاد على الرغم من التحديات المرتبطة بسلاسل التوريد وحجم السوق في قطر.

ولا شك أن المرحلة القادمة ستشهد التحول نحو التصدير كما تم في قطاع الألبان مثلاً، والتحدي القادم هو الخروج من مرحلة البناء إلى الاستدامة بحيث إن تحقق القطاعات المنتجة أرباحاً تؤهلها للاستمرار في الإنتاج دون دعم حكومي كبير.

لكن التحديات الاقتصادية المقبلة من جراء انخفاض الأسعار والطلب في قطاع الطاقة والخسائر المترتبة على جائحة كورونا والأزمة العالمية المرتقبة ستجعل قطر كغيرها تتجه نحو إجراءات تضمن الحفاظ على السيولة وخفض النفقات مما سيؤخر الكثير من المشاريع التوسعية في مختلف القطاعات ولكن سيستمر جهد بناء الاقتصاد المحلي والذي يشكل هاجس أمن وطنيا قبل أن يكون أولوية اقتصادية.

على مستوى السياسة الخارجية يبدو أن الخيارات الاستراتيجية القطرية تأتي في إطار التوجه نحو العالمية واستخدام أدوات قطر الناعمة والاقتصادية الصلبة في تعزيز دور البلاد في المحافل والقضايا الدولية.

ورأينا ذلك بارزاً من خلال تعاظم الدعم والمبادرات القطرية في الأمم المتحدة ووكالاتها وهيئاتها المختلفة وفي الدور البارز في مفاوضات طالبان مع الولايات المتحدة والمواجهة العالمية لجائحة كورونا، في كل هذه الملفات تجاوزت قطر سياقها الإقليمي وحجمها الاستراتيجي ونجحت في تحقيق مكاسب وإطلاق مبادرات دولية.

وبعد أن كان التحدي الخارجي الأكبر بالنسبة لقطر يكمن في كبح جماح دول الحصار أصبح اليوم يتمثل في دعم المحور المؤيد للإرادة الشعبية والاستقرار الإيجابي المستدام في المنطقة والعالم.

وتزامن ذكرى الحصار هذا العام مع الانتصارات التي تحققها الحكومة الشرعية في ليبيا هو مؤشر نجاح لسياسات قطر وحليفتها تركيا في دعم الاستقرار ولا شك انها ستمثل رافعة للتغيير الإيجابي في المنطقة.

محلياً لا شك أن عملية صناعة السياسة العامة في قطر مقبلة على تحولات كبيرة حيث إن التركيز في المرحلة السابقة كان على المشاريع الاستراتيجية في البنية التحتية وتلك المرتبطة بكأس العالم، الاتجاه في المرحلة القادمة يبدو أنه سيتركز على ترشيد نماذج الحوكمة وتجويد الهياكل الحكومية بشكل يضمن البناء على إنجازات المرحلة القادمة والاستفادة من مخرجاتها.

وفي إطار اتساع الدور الإقليمي والدولي لقطر سيكون لزاماً تعزيز البنى الوطنية بما يضمن القدرة على التعامل مع المتطلبات الكبيرة لهذا الدور الاستثنائي، ويأتي في هذا الإطار العمل المستمر لإنجاز قانون انتخابات مجلس الشورى الذي سيمثل طوراً جديداً في حياة قطر السياسية.

يضاف إلى ذلك أن إكراهات الاقتصاد في المرحلة المقبلة ستعني الحاجة إلى إجراءات وطنية تضمن عدم تأثر التنمية الشاملة وبناء القدرات المحلية ويتم ذلك من خلال توجيه الإنفاق نحو المشاريع الاستراتيجية وذات المردود الوطني المباشر.

قطر الجديدة هي دولة فاعلة في السياق الدولي مستمرة في الاتجاه نحو الحوكمة الرشيدة الشاملة واقتصاد وطني صلب يعتمد على الاستثمار في الطاقة إلى جوار تصدير منتجاتها وبناء القدرات الوطنية إلى جوار الاستثمار في الأسواق العالمية، أما الحصار والحديث عن إمكانية الوصول لاتفاق ما خلال المرحلة القادمة فهو في إطار دعم هذه الصورة الجديدة وليس التراجع عنها.

ولذلك نجد التركيز على الجانبين الإنساني والمتعلق بالطيران وهو ما يمثل الأولوية الوطنية الأساسية، المرحلة المقبلة مشرقة برغم التحديات، ومفعمة بالحيوية برغم المعوقات، فاحفظ اللهم قطر أميراً وحكومة وشعباً، حتى تكون نبراساً للحق والازدهار في العالم.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ علم الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر.

المصدر | الشرق القطرية