الجمعة 19 يونيو 2020 12:56 م

نحو مرحلة جديدة فى العمل العربى المشترك: شروط القيادة.. أى عمل عربى مشترك؟!

العمل العربي المشترك لا يقبل تكريس التبعية وارتهان السيادة والاستقلال والكرامة العربية لصالح قوى خارجية.

لا يضيف العمل المشترك قوة للأمة حين يحيد عن أهداف النهوض بالعرب جميعا ولا يحقق استقلالهم ونماءهم.

يكون العمل العربى المشترك ناكصا حين يتسق مع هرولة أنظمة عربية نحو التطبيع مع الكيان الصهيونى الغاصب والتفريط بفلسطين.

العمل العربى المشترك، المنشود يضيف قوة وحصانة للأمة وأن تأخذ مكانها فى عصر كونى وواقع دولى لا مكان فيه إلا للأقوياء.

*     *     *

ننطلق فى هذه القراءة، من أن وحدة العمل العربى ليست غاية فى ذاتها، بل هى وسيلة، لتحقيق جملة من الأهداف والاستراتيجيات. هذه الأهداف والاستراتيجيات، ينبغى أن تضيف زخما وقوة، للأمة العربية، ولا تأخذ من حصتها. وحين نتحدث عن قيادة/ زعامة للعمل العربى المشترك، فإن المقصود هو تماهى هذه القيادة مع مشروع النهوض، وتفانيها من أجل تحقيقه.

بهذا المعنى، لا يضيف العمل العربى المشترك، قوة للأمة حين يحيد عن أهداف النهوض بالعرب جميعا، ولا يحقق استقلالهم ونماءهم، وفى أقل تقدير، لا يكون العمل العربى مجديا، حين يعجز عن تحقيق الحدود الدنيا، من التضامن، والالتزام بالثوابت والمواثيق التى تسهم فى حماية الأمن القومى العربى.

لن يكون العمل العربى المشترك، قوة للعرب، حين تكون من نتائجه، مصادقة القادة العرب، فرادى أو مجتمعين، على الحصار أو العدوان الخارجى، والعمل على تفتيت وحدة بلدان عربية، كما حدث، للأسف عدة مرات فى الثلاثة عقود المنصرمة. إنه والحالة هذه عمل ناكص، وبالضد من المصلحة العربية، والمبادئ القومية. وعمل عربى كهذا، هو تكريس لحالة الفصام، بين الشعب العربى وقياداته السياسية.

وبالمثل، يكون العمل العربى المشترك، ناكصا حين يتسق مع ما هو حاصل الآن على أرض الواقع، تجاه القضية الفلسطينية، والمتمثل فى تسارع عدد كبير من الأنظمة العربية، نحو التطبيع مع الكيان الصهيونى الغاصب، والتفريط بالحقوق، ومن بينها، حق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بالضفة الغربية وقطاع غزة، ومدينة القدس.

والذى هو فى حد ذاته، تنازلا بات مقبولا من معظم الأنظمة العربية، عن الحقوق التاريخية للعرب فى فلسطين. أو حين يتم التوافق على تكريس التبعية وارتهان السيادة والاستقلال والكرامة العربية لصالح قوى خارجية.

العمل العربى المشترك، الذى ننشده، هو الذى يضيف قوة وحصانة للأمة، ويسهم، فى أن تأخذ مكانها فى عصر كونى وواقع دولى، ليس فيه مكان إلا للأقوياء.

*     *     *

ليست هذه دعوة رومانسية، من قبلنا، لاستنساخ الماضى، فالتاريخ لا يعيد ذاته، ولكنها دعوة للدفاع عن الذات، وعن المصالح والثوابت والحقوق القومية، التى لن تسقط بالتقادم. ولن يكون الحديث مجديا عن الواقعية، للاستسلام وتكريس واقع الحال المتردى الراهن فى الأمة. لأن ما حدث فى العقود الخمسة المنصرمة، منذ وقفت مدافع معركة العبور عام 1973، لم يكن الخيار الحر للأمة. كما لم يكن خيار الشعب العربى، وهو يمسك بزمام مقاديره، بل كان نتاج جملة من الهزائم والنكسات، وفشل السياسات، وتسلل عوامل العجز والوهن، وهو حال لا يعكس إرادة الأمة، فى فتوتها ووعيها، ولن يكون سوى محطة عابرة فى التاريخ العربى لها ما بعدها.

وإذا سلمنا أن التاريخ هو أفضل بوصلة، لقراءة المستقبل، فإن الزعامات السياسية التى برزت فى التاريخ الإنسانى، هى تلك التى حملت هموم شعوبها وأوطانها، والتى جاءت فى مرحلة مفصلية صعبة، من حياة شعوبها، فحشدت الجموع، وعبأت طاقات الأمة واستنهضتها، من أجل قهر المستحيل، فصنعت تاريخا ومستقبلا جديدا لأوطانها، يليق بها وبالأجيال القادمة. فاكتسبت حق القيادة، بشجاعتها وإقدامها ووعيها، وقدرتها على قهر الركود والاستسلام، وتحقيق المستقبل الأفضل لشعوبها، وأوطانها.

*     *     *

ومن هنا فإن قيادة الأمة، من قبل قطر عربى أو أكثر، لا تحققها الرغبة، ولا الثروة أو الموارد البشرية، بل المشروع السياسى، الذى يحقق آمال الناس وطموحاتهم. وهو أيضا وليد التفاعل الإيجابى، والقدرة على الخلق والمبادرة، والتعامل بشجاعة ووعى وإرادة مع تحديات اللحظة التاريخية.

كانت تداعيات الأحداث فى بداية الخمسينيات قد صنعت من الرئيس عبدالناصر، قائدا متوجا للعرب جميعا. وحين حدثت ثورة 23 يوليو، كانت مبادئها الستة بسيطة وواضحة. ولم يدر بخلد قادتها، أن تكون بداية لتحولات تاريخية كبرى فى الواقع العربى. كانت التنمية بين أهداف الثائرين الجدد. والتنمية اقتضت بناء السد العالى، وتمويل السد العالى، فى ظل تلكؤ المؤسسات الدولية عن إقراض مصر، قاد إلى تأميم قناة السويس. والتأميم قاد إلى حصار مصر والعدوان عليها.

ردود فعل الشعب العربى، فى كل مكان على الحصار والعدوان، هو الذى خلق الحالة الجديدة، وأعاد توجيه البوصلة المصرية، نحو جغرافيا أوسع، هى الوطن العربى، من الخليج إلى المحيط. امتنع عمال ميناء نيويورك عن تفريغ الباخرة، كليوباترا، فتضامن عمال ميناء عدن مع مصر، وامتنعوا عن تفريغ البواخر الأمريكية. وفى أيام العدوان، هاجم السوريون المصالح الغربية فى بلادهم، وقام جول جمال، الضابط السورى القادم من مدينة اللاذقية، بعملية استشهادية، فجر فيها بارجة فرنسية. وانتفض الوطن العربى بأسره، فى كل مكان من الأرض العربية، تأييدا لمصر، ومناهضة للعدوان الثلاثى عليها. وتلك كانت لحظة تتويج مصر، قيادة للنظام العربى الرسمى، وللعمل العربى المشترك.

*     *     *

فى هذا المنعطف من التاريخ، تعانى الأمة العربية، من حروب الطوائف والقبائل والإثنيات، وتشهد بلدان عربية عديدة، حروبا أهلية. ولم تكن هذه الحروب، فى معظمها مجرد صناعة خارجية، بل أسهمت عوامل داخلية، وعربية وإقليمية فى تسعيرها، والمستفيد الوحيد من تلك الحروب، هى القوى التى تستهدف تفتيت الأمة، وتمزيق وحدة أقطارها.

ورغم ذلك، ليس بالإمكان منح شهادة البراءة، فى هذا السياق، لأى من الأطراف التى أشرنا إليها، بما فيها الأنظمة العربية، التى ستكون متضررة حتما، فى النهاية، جراء انخراطها فى التخريب والتفتيت.

وبالتأكيد، لم يكن لهذه الأحداث المريرة، والقاسية، أن تأخذ مكانها، لولا رسوخ شبكة العلاقات الاجتماعية القديمة، وهشاشة الهياكل الاجتماعية، وعجز الأنظمة العربية فى البلدان التى تعرضت للخراب والدمار، عن مقابلة استحقاقات الناس.

ليس بوسع أى نظام عربى رسمى، الادعاء فى هذه اللحظة بقيادة النظام العربى المشترك، فالقيادة، كما العمل العربى المشترك ذاته، كما أشرنا لها شروطهما الخاصة، ولا تصنعهما القرارات، بل هما من صنع التاريخ، والتدافع الشعبى الملحمى نحو الأهداف والاستراتيجيات.

* د. يوسف مكي كاتب وأكاديمي سعودي.

المصدر | الشروق المصرية