التخبط الفرنسي في ليبيا

أظهرت أزمة ليبيا صراعا أوروبيا على المشهد خاصة بين إيطاليا وبين باريس.

مشهد جنوب المتوسط يتغير بسرعة ووزن الفواعل ونفوذها لن يكون كما سبق مهما كانت مخرجات الملف الليبي النهائية.

دخول الأتراك على خط الأزمة في ليبيا وفشل حفتر العسكري أربك الموقف الفرنسي وأدى لتخبطه على الساحة الليبية.

فشل المشروع الانقلابي بقيادة الإمارات ضدّ شعب ليبيا سينعكس سلبا على أداء الثورات المضادة مما يشير لدخول منطقتنا طورا جديدا من تاريخها.

*     *     *

بعد الهزائم الكبيرة التي مُني بها المشروع الانقلابي ونجاح حكومة الوفاق الشرعية في السيطرة على الغرب الليبي إثر سقوط قاعدة الوطية الجوية يشهد البلد تحركات كثيفة في الاتجاهين.

فمن جهة أولى تعمل الحكومة الشرعية على تثبيت مواقعها في المدن والمناطق المحررة كما تسعى إلى التقدم نحو الشرق بهدف السيطرة في مرحلة أولية على مدينة سرت الاستراتيجية وقاعدة الجفرة ذات القيمة العسكرية الكبيرة.

في اتجاه مقابل، تعمل القوات التابعة للمشروع الانقلابي بقيادة حفتر على منع سقوط مزيد من المدن والمناطق وتسعى الدول الداعمة له على تفعيل العملية السياسية بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع الانقلاب على الشرعية.

من بين المواقف الدولية الداعمة لحفتر تصدرت فرنسا بعد الرئيس ساركوزي مركزا متقدما بإسنادها السياسي والعسكري لما سمّي زورا عملية الكرامة.

لكن رغم هذا الدعم فقد حاولت فرنسا إبداء موقف ليّن مع حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، يتقاطع الموقف الفرنسي هنا مع الموقف الإماراتي والسعودي والروسي والمصري وهي مواقف تعمل على إجهاض ثورة فبراير وتمكين المشروع الانقلابي.

لكنّ دخول الأتراك على خط الأزمة في ليبيا من جهة وفشل حفتر العسكري من جهة أخرى أدى إلى إرباك الموقف الفرنسي وتخبطه على الساحة الليبية.

إن وصول التعزيزات العسكرية التركية بعد اتفاقية الدفاع المشترك قد غيّر مسار المعارك بشكل واضح بعد أن فقد حفتر التفوق الجوي وتسبب في خيبة أمل داعميه وعلى رأسهم روسيا وفرنسا، بل إن الأمر قد تطور إلى حرب تصريحات سياسية بين الفرنسيين والأتراك وإلى احتقان في المتوسط بين القطع الحربية التابعة للدولتين.

لا تخفي الأزمة الليبية صراعا أوروبيا على المشهد خاصة بين إيطاليا من جهة وباريس من جهة أخرى، لكن في الوقت الذي حافظت فيه روما على موقف معتدل من الفاعلين على الأرض تورطت فرنسا في الإلقاء بكل ثقلها إلى جانب المعسكر الانقلابي.

هذا الموقف انعكس اليوم على السياسة الخارجية الفرنسية وهي تحاول جاهدة تدارك الأمر سواء بدعم المبادرة المصرية التي رفضتها كل الأطراف تقريبًا أو عبر محاولة العودة إلى طاولة المفاوضات.

الثابت الأكيد هو أنّ المشهد جنوب المتوسط يتغير بسرعة كبيرة وأن وزن الفواعل ونفوذها لن يكون كما كان سابقا مهما كانت المخارج النهائية للملف الليبي.

إن فشل المشروع الانقلابي الذي قادته الإمارات ضدّ شعب ليبيا سينعكس سلبا على أداء كل قوى الثورات المضادة بما في ذلك مصر وهو ما يؤشر على دخول المنطقة العربية برمتها طورا جديدا من تاريخها.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن القطرية