السبت 27 يونيو 2020 04:57 م

سد النهضة الإثيوبي: السودان في أتون الاستقطاب

خلال سنوات سيزداد العجز المائي بمصر بمعدل 8 مليار متر مكعب سنوياً.

إثيوبيا تؤكد أن هدفها الاستراتيجي من السد توليد الكهرباء، فأكثر من 66 بالمئة من الإثيوبيين يعيشون دون كهرباء.

تتصاعد مخاوف السودانيين من تحول حكومتهم لوسيط تتقاذفه إثيوبيا ومصر بينما هي ملزمة بوضع مصلحتها أولا.

اللافت اتهام الجيش السوداني لجيش إثيوبيا بالوقوف وراء عصابات "الشفتة" التي تعتدي باستمرار على الأراضي الزراعية السودانية.

السيسي مدد المهلة للمجلس العسكري الانتقالي بعد سقوط البشير من أسبوعين حتى ثلاثة أشهر قبل تسليم الحكم فأنقذ عسكر السودان من توصيفهم كانقلاب.

*     *     *

بعد أكثر من 20 عاماً، وفي نيسان/ أبريل الماضي، أعاد الجيش السوداني انتشاره على الحدود الشرقية المتاخمة لإثيوبيا. وصل على نحو مفاجئ عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، إلى الحدود الشرقية برفقة كبار ضباط الجيش، ومن هناك، أعلن أن السودان لن يسمح بالتراخي تجاه التوغل الإثيوبي داخل حدوده، وهو الأمر الذي عدّه كثيرون كإعلان حرب.

جاءت الزيارة التي لفتت الانتباه الإقليمي في أعقاب اشتباكات تقع في الموسم الزراعي كل عام، حيث يعتدي المزارعون الإثيوبيون مدعومين بعصابات "الشفتة" الإثيوبية على الأراضي الزراعية السودانية. وجرت العادة أن لا تعير حكومتا الدولتين ما يحدث موسمياً على الحدود أدنى اهتمام.

 

تصعيد سوداني تجاه إثيوبيا

غير أن زيارة البرهان التي تزامنت مع زيارات مكوكية لمسؤولين مصريين وإثيوبيين للخرطوم بعد تعثر في مفاوضات سد النهضة، أعقبها بيان شديد اللهجة من المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني نهاية أيار/ مايو، أعلن فيه مقتل عناصر من الجيش السوداني في الحدود إثر اشتباكات مع عصابات إثيوبية "مدعومة من الجيش الإثيوبي".

وكان لافتاً اتهام البيان للجيش الإثيوبي بصريح العبارة بالوقوف وراء العصابات، بشكل مباشر لم يكن معتاداً في السنوات الماضية، ثم استدعت الخارجية السودانية القائم بالأعمال الإثيوبي بالخرطوم احتجاجاً على خرق الحدود.

إثيوبيا التي تدرك جيداً أن الظرف هذه المرة مختلف، سارعت خارجيتها إلى إصدار بيان أعربت فيه عن تعاطفها مع ضحايا الاشتباكات وقدمت تعازيها، وقالت إنها لا ترى سبباً لدخول البلدين في حالة من العداء، وطالبت بعدم الانجراف للعداء وحل هذه المسائل دبلوماسياً.

كثيرون رحبوا بهذه الخطوة التصعيدية، على اعتبارها صوناً "للسيادة الوطنية"، وطالبوا بمثلها تجاه مصر فيما يخص قضية "حلايب" التي تفرض عليها القاهرة سيطرتها. وهؤلاء ينطلقون من موقف مبدئي تجاه سيادة السودان على أراضيه، إذ ورثت البلاد حمولة ثقيلة من انتهاك السيادة الوطنية خلال سنوات الرئيس المخلوع عمر البشير.

غير أن التصعيد نفسه حمل في طياته تفسيراً للموقف السوداني من سد النهضة الإثيوبي، أو بالأحرى موقف السودان تجاه مصر من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى.

 

انهيار متتالٍ لمفاوضات السد

ويترقب العالم أن تتخذ إثيوبيا قراراً منفرداً بملء السد مع موسم الأمطار تموز/ يوليو المقبل، وسط تعثر بل انهيار المفاوضات بين الدول الثلاث (إثيوبيا، السودان ومصر). ولمصر مخاوف جمة من السد، إذ بحسب خبراء مصريين، سوف تتأثر حصتها السنوية من مياه النيل والبالغة حالياً 55.5 مليار متر مكعب.

وإذا تم ملء خزان سد النهضة خلال عشر سنوات، سيزداد العجز المائي في مصر بمعدل 8 مليارات متر مكعب سنوياً. لكن إثيوبيا تحاول التأكيد على الدوام أن هدفها الاستراتيجي من السد هو توليد الكهرباء، إذ أن أكثر من 66 في المئة من الإثيوبيين يعيشون دون كهرباء، علاوة على تأسيس مصدر جديد للإيرادات الإثيوبية عبر تصدير الكهرباء.

وتعتبر إثيوبيا أن سد النهضة المشيد على بعد 30 كلم من حدود السودان الشرقية، وبقدرة استيعابية تبلغ 74 مليون متر مكعب مشروع استراتيجي لا مجاملة فيه، بينما تنظر مصر إلى السد باعتباره مسألة حياة أو موت طالما أنه يتعلق بأمنها المائي.

ورغم أن بعض التصريحات تؤكد إنجاز حلّ معظم نقاط الخلاف بين مصر وإثيوبيا، إلا أنه لم يتم إعلان اتفاق نهائي ملزم، خاصة فيما يتعلق بالجوانب القانونية.

وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية التوسط بين إثيوبيا ومصر، بلا نجاح، إذ يتهم كل طرف الآخر بالتعنت والتصلب. إثيوبيا ومصر تعولان على وساطة السودان الذي يمثل طرفاً رئيسياً في مشروع سد النهضة.

ولما كان نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، اعتاد الإتجار بالقرار الوطني بما يتوافق ومصلحته الضيقة، فقد وجدت الدولتان بعد سقوط البشير وضعاً هشاً، بلا أسس مشيدة حول المسألة، وهو قابل للاستقطاب الشديد.

وكانت إثيوبيا قد لعبت دوراً بارزاً في التوصل لاتفاق بين طرفي الحكم الانتقالي في السودان (المكون المدني والمكون العسكري) بعد "ثورة ديسمبر". وكان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، شديد الانحياز إلى المدنيين بسبب العلاقة المتميزة التي تربط رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك بإثيوبيا منذ سنوات طويلة.

بينما لا يخفى على أحد انحياز دول محور مصر والإمارات والسعودية للمكون العسكري في الحكومة الانتقالية في السودان، وكان هذا موقفها المعلن منذ سقوط البشير في نيسان/ أبريل 2019، وأول زيارات للعسكريين السودانيين كانت إلى الإمارات ومصر.

في حين قاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مبادرة داخل الاتحاد الإفريقي لتمديد المهلة للمجلس العسكري الانتقالي بعد سقوط البشير، من أسبوعين حتى ثلاثة أشهر، قبل تسليم الحكم، وبذا أنقذ عسكريي السودان من توصيف ما قاموا به كانقلاب.

 

حالة الاستقطاب بين مصر وإثيوبيا

وزير الدولة بالخارجية السودانية، عمر قمر الدين، وفي حوار نشرته صحيفة "التيار" السودانية، فسّر هذا الاصطفاف الداخلي على أنه يرتبط بشكل وثيق بطبيعة الحكم في دولتي إثيوبيا ومصر.

لكن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للجيش، الذي تدعمه مصر من منطلق أنه قائد الجيش، يتطلع إلى حصد مكاسب إقليمية إذا ما استطاع توجيه الموقف السوداني من سد النهضة، أو على أقل تقدير من انحيازه للموقف المصري.

ويغيب في الخطاب الرسمي السوداني على الدوام التركيز على مكاسب أو خسائر السودان من سد النهضة الإثيوبي، مكتفياً بعبارة "مكاسب السودان من سد النهضة أكبر من خسائره". وإن كان هذا هو الرأي الرسمي، إلا أن خبراء سودانيين ينظرون إلى سد النهضة باعتباره "كارثة وشيكة".

ولا تجتهد الحكومة، منذ عهد البشير في تقديم خطاب واضح للرأي العام حول سد النهضة، وتكتفي فقط بآراء الخبراء الداعمين للحكومة، أو التصريحات الرسمية الموسمية التي تخرج من الاجتماعات الدورية في عواصم الدول الثلاث.

وفقاً لهذه المعادلة، تتصاعد مخاوف السودانيين من أن تتحول بلادهم إلى وسيط تتقاذفه إثيوبيا ومصر، بينما هو في الأصل شريك ملزم أخلاقياً ووطنياً بوضع مصلحته أولاً، كما تفعل دولتا إثيوبيا ومصر، وتحديد الموقف السوداني وفقاً لذلك، وليس تحت تأثير سياسة "مع أو ضد".

يبدو جلياً أن الخروج من حصار البشير الذي طوّق به البلاد في السياسة الخارجية لن يكون سهلاً على المدى القريب. لكن كثيرين يعتقدون أن وقت الانعتاق واستقلال القرار الوطني قد حان بعد "ثورة ديسمبر".

ومع تصاعد الجدل حول ملء سد النهضة في الموعد الذي حددته إثيوبيا منفردة، وتصاعد حدة التنافس الإقليمي في انتزاع موقف سوداني يرجح كفة أحد البلدين، تحتاج الحكومة الانتقالية في السودان إلى ضبط خطاب رسمي يحشد الرأي العام في موقف يدعم مصلحة السودان فقط، بعيداً عن حالة الشد والجذب.

وإن كان التوصل إلى هذا ليس مستحيلاً، إلا أنه يبدو عسيراً في ظل انقسام الحكومة الانتقالية نفسها بين الموقفين الإثيوبي والمصري.

* شمائل النور كاتبة صحافية من السودان

المصدر | السفير العربي