السبت 27 يونيو 2020 05:14 م

هل يستطيع الكاظمي استعادة فصائل إيران إلى العراق؟

أدى الاحتلال الأمريكي لكيان سياسي هزيل تحوّل إلى دولة طائفيّة تدار من الخارج.

فصائل الحشد ارنكبت مرّات عديدة جرائم حرب واخترقت القوانين وتحدّت أجهزة الدولة وهددت أمن البلاد والعباد.

تسيطر إيران سياسيا وعسكريّا على مجمل المنظومة العراقيّة فلم يعد ممكنا انتخاب رئيس حكومة دون موافقة طهران المباشرة.

تمثل ميليشيات «الحشد الشعبي» عطبا هائلا في النظام السياسي العراقيّ كان يؤمل تغييره مع بدء الاعتصامات السلميّة والحراك الثوريّ.

*     *     *

فتح احتلال أمريكا و«ائتلاف الراغبين» للعراق عام 2003 على ديناميّات تأسيسية كبرى أدّت إلى نشوء نظام سياسي جديد، ورغم النفوذ الأمريكي الكبير الذي تكرّس بذلك الاحتلال فإن مجموعة عوامل، منها قيام مقاومة شعبيّة للاحتلال، وتداعيات الصراع مع تنظيم «القاعدة»، إلى تحالف موضوعي بين واشنطن وطهران!

وهذا سمح، في النتيجة، بسيطرة سياسية وعسكريّة كبيرة لإيران على مجمل المنظومة العراقيّة بحيث ما عاد ممكنا انتخاب رئيس للحكومة من دون موافقة مباشرة من طهران.

أدى الاحتلال الأمريكي، عمليا، إلى إنهاء دكتاتورية قاسية قادت البلاد بالنار والحديد، وارتكبت أخطاء سياسية كارثية، من الحرب مع إيران نفسها، نيابة عن السعودية وبعض دول الخليج، والدول الغربيّة التي دعمت حينها تلك الحرب، إلى غزو الكويت عام 1990 الذي أدى إلى ما يسمى حرب الخليج الثانية، ووضع العراق تحت الحصار والعقوبات المجحفة.

لكنّه أدى أيضا إلى كيان سياسي هزيل ما لبث أن تحوّل إلى دولة طائفيّة تدار من الخارج.

لم تكتف إيران بنفوذها الهائل على أجهزة السياسة التنفيذية والتشريعية، ومنظومات الأمن والجيش، فقد استثمرت أيضا في إنشاء أحزاب جديدة تستخدم عند الحاجة حين لا تتمكن الجماعات السياسية التقليدية، كحزب «الدعوة الإسلامية» و«المجلس الأعلى الإسلامي العراقي»، من مجاراة الجهاز الأمني الإيراني في تنفيذ عمليّات «خارج الرادار» يمكن أن تشكّل عبئا سياسيا كبيرا.

وجاءت لحظة إنشاء ما يسمى «الحشد الشعبي»، الذي تشكل بعد «فتوى الجهاد الكفائي» التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، عام 2014، ما أدى إلى ظهور 67 فصيلا جديدا، مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«منظمة بدر».

يعتبر مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة العراقية، حسب القانون، قائدا عاما للقوات المسلحة، وبهذه الصفة فإن على «هيئة الحشد الشعبي» لا أن تلتزم بأوامر رئيس الحكومة العراقيّة فحسب، بل أن تلتزم بقوانين العراق.

وهذه القوانين لا تسمح، نظريا، لهذه الفصائل بأن تتلقى أوامرها من خارج العراق، ولا أن تخالف القوانين المرعيّة، لكن الإطارات النظرية في العراق شيء، والوقائع على الأرض، أمر آخر، فالفصائل المذكورة قامت في مرّات كثيرة بجرائم حرب، واخترقت القوانين، وتحدّت أجهزة الدولة، وهددت أمن البلاد والمواطنين.

تشكّل عملية مداهمة مقر أحد هذه الفصائل، «كتائب حزب الله»، أول أمس الخميس، واعتقال أكثر من 12 من أعضائه، سابقة جديدة في السياسة العراقية، فهو فصيل معروف بتطرّفه في طرق التعبير عن «الرغبات» الإيرانية، سواء فيما يخص القضايا الداخلية، مثل اعتبار الحراك الشعبي «مؤامرة صهيونية» ضد إيران نفسها وليس مرتبطا بالفساد والمظالم التي يتعرض لها العراقيون، أو فيما يخص القضايا الخارجية، فهو من أكثر الفصائل حماسة لإعلان الحرب على أي جهة خارجية تختلف مع طهران أو تتنافس معها.

تعبّر ميليشيات «الحشد الشعبي» عن عطب هائل في النظام السياسي العراقيّ، والذي ظهر أمل في تغييره مع بدء الاعتصامات السلميّة والحراك الثوريّ بعد الثورات العربية، لكنّ كونه كان مركّزا في المحافظات السنّية، فقد قام «النظام العراقي» المعطوب بقمعها بشدة ومطاردة زعمائها السياسيين

واستثمر بخبث في تحشيد الشيعة ضد السنّة، إلى أن دارت الدائرة وقامت المحافظات الشيعية نفسها بالثورة على هذا النظام، ولم يعد أمام أركان الفساد في النظام، وأتباع الخارج، سوى العودة إلى سرديات المؤامرة، والقمع المحض.

تعبّر المداهمة رمزيّا عن حاجة عضويّة لدى الدولة العراقية لاستعادة سيادتها المفقودة، وهي حاجة لدى الأحزاب العراقية أيضا، لا تقتضي بالضرورة معاداة إيران، ولكنّها تقتضي، بالتأكيد، وضع مصالح العراق أولا.

المصدر | القدس العربي