الجمعة 3 يوليو 2020 04:15 م

تعد مواجهة الصين كقوة اقتصادية ونموذج سياسي وتنموي موضوعا محورًيا في سياسة الأمن القومي للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد أثبتت مواجهة الصين في الشرق الأوسط أنها تمثل تحديًا بسبب التناقضات في السياسة الأمريكية والتصور المتزايد حول جاذبية الصين للمنطقة.

ونتيحة لذك، فإن مناقشة دور الصين في المنطقة كلعبة صفرية ينبغي على الجميع فيها الاختيار بين واشنطن وبكين، لا يفيد إلا في زيادة مكانة الصين بين القادة السياسيين في المنطقة، خاصة بعدما فشلت الاستراتيجية الأمنية الأمريكية في الاعتماد على حجج مثل "أهمية الحلفاء التاريخيين" و"القيم المشتركة" في التنافس مع "الخيار" الصيني.

فك الارتباط

بعبارة أخرى، فشلت الولايات المتحدة في تقديم نفسها بشكل جذاب في الشرق الأوسط، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن الإدارة الحالية قوضت أهمية القيم والمؤسسات المشتركة. والحقيقة أن دول الشرق الأوسط اليوم لا ترى أن عليها الاختيار بين الولايات المتحدة والصين، رغم أن واشنطن تحاول التلميح إلى ذلك. ويعد فشل إدارة "دونالد ترامب" في تعزيز استراتيجيتها الخاصة للاعتماد على الحلفاء والمؤسسات المشتركة، نقطة ضعف ترى فيها الصين والخصوم الآخرين مثل روسيا هدفًا سهلاً.

لا يمكن للصين أن تنافس البنية الأمنية الأمريكية الحالية في الخليج، لكنها تستطيع أن تستغل الشعور بضعف الارتباط الأمريكي بالمنطقة وأن تعززه. ويمكن للصين أيضا أن تغير الطريقة التي تقاس بها فعالية وجود القوى الأجنبية.

لقد نقلت الصين "موقع المرمى" من خلال التركيز على استثمارات الدولة والتمويل الثنائي الحكومي، في مقابل ما تقدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها من وصول إلى رأس المال الدولي، المرتبط غالبا بقيود حول الإدارة والحوكمة وطريقة عمل البنوك وتسيير الميزانيات الحكومية، وهي قيود نادرا ما تكون متوفرة في التمويل الصيني.

قد تكون الولايات المتحدة قوة عظمى، لكنها تقف على أكتاف الدول الأخرى، أي الاقتصادات الكبيرة الأخرى في العالم، ولا تعمل بمفردها، وكما أوضح "زاك كوبر" بدقة في فحصه لنقاط الضعف في النهج الاستراتيجي الحالي للولايات المتحدة تجاه الصين، "يشعر العديد من أصدقاء أمريكا بالإحباط لأن ترامب لم يوحد حلفاء وشركاء الولايات المتحدة في السعي لتحقيق هدف مشترك".

لم تعمل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بالشراكة مع حلفائها. لقد قوض "ترامب" باستمرار الدور البناء للولايات المتحدة في النظام الدولي، وهو ما منح فرصة لا تقدر بثمن للصين كي تجعل الدول النامية في المنطقة تعتقد أن هناك خيارين، بدلاً من مجموعة كاملة من الشركاء والمؤسسات الداعمة التي تتعارض مع ما تبيعه الصين.

وفي حين يخشى معارضو "الحرب الباردة الجديدة" أن تدفع الولايات المتحدة الصين إلى الزاوية وأن تقوض المواجهة مع بكين النجاح الدبلوماسي في إدخال الأخيرة في حظيرة المعايير الدولية وزيادة التحرر الاقتصادي، فإن الصين هي التي تستفيد في الحقيقة من دفع الدول النامية إلى انقسام زائف.

البديل الصيني

غالبًا ما يُشار إلى بكين على أنها أهم مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة، ولكنها تنشط بشكل مكثف في مجال التمويل في عدد قليل من الدول الرئيسية، ومعظمها في منطقة الخليج. ولكن أسباب الوجود الصيني كمقاول في الخليج ومستثمر مشارك في البنية التحتية الخليجية ومشاريع الطاقة بسيطة، حيث يرغب مصدرو النفط الخليجيون في الحفاظ على علاقة خدمة عملاء جيدة مع الصين.

بخلاف ذلك، تعد الصين شريكًا جيدًا في بعض الاستثمارات والقروض التي تحتاج إليها هذه الدول، حيث تعمل الأموال الصينية بمثابة ميزانية عمومية بديلة للكيانات الرسمية.

من الواضح إذن أن الاستثمار الأجنبي الصيني المباشر عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليس متسقًا، ويميل مع مرور الوقت إلى الترك في عدد قليل من المواقع الرئيسية ويخلق القليل من الوظائف.

وكما تشير البيانات القادمة من الأردن ومصر وعمان وإثيوبيا، فإن الاستثمار الخاص من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في الفترة ما بين 2014-2020 يتفوق على الاستثمارات الصينية، ومن المثير للاهتمام، أن الأمر كذلك في دول الخليج العربية. وتعد الصين هي المستفيد الأوحد من تأطير الاستثمار الأجنبي كظاهرة ثنائية بدلاً من اعتباره عملية مؤسسية.

 منذ البداية، عاملت إدارة "ترامب" الاقتصاد السياسي الدولي من منظور الدولة، وليس من منظور مؤسسي يتم من خلاله خدمة المصالح الأمريكية. وعلى عكس الصين، فإن الولايات المتحدة لا تأمر مستثمريها أو شركاتها بالعمل، ولكنها توفر بيئة مواتية لنمو هذه الأعمال بما في ذلك بمنطقة الشرق الأوسط. وهذه البيئة هي مجموعة من المعايير والممارسات والمعتقدات المؤسسية التي تفتح الأسواق وتكرس حكم القانون وحرية حركة الأفكار والأشخاص والبضائع.

من حيث الجوهر، كانت إدارة "ترامب" من أكبر مؤيدي النمو الذي تقوده الدولة مثل الصينيين، الذين يكتشفون الآن كيفية استخدام رجال الأعمال لغزو العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط. ولكن القادة في هذه المنطقة يرون أن لديهم خيارات، وأنه لا يوجد منطق يدفعهم للاختيار بين الولايات المتحدة والصين والاستفادة من الفرص التي يقدمها كلا الغريمين.

المصدر | كارين يونغ/ المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد