الأربعاء 1 يوليو 2020 04:19 م

"هاتوا من شباب القبائل عندكم وتحت إشرافكم ندربهم ونجهزهم ونسلحهم تحت إشرافكم"..

تلك كانت دعوة صريحة من الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، قبل أيام، لقبائل ليبيا الموالية لمصر لتسليحها، في محاولة لإنقاذ حليفه "خليفة حفتر"، ووقف تقدم قوات حكومة "الوفاق".

وتضم الساحة الليبية العديد من القبال المنقسمة في الولاء بين "حفتر"، وحكومة "الوفاق" (معترف بها دوليا)، ونظام الرئيس الراحل "معمر القذافي".

وتشهد القبيلة الواحدة انقسامات في الولاء بين طرف وآخر، وكذلك تباين في تأييد التدخل المصري من عدمه، حيث تتآلف القبيلة الواحدة من عشائر، وتنتشر في مدن عدة، ومن أبرز تلك القبائل "الورفلة، أولاد سليمان، الطوارق، العبيدات، البراعصة، القذاذفة، قبائل ترهونة".

 ثمن الولاء

يضخ "حفتر" بدعم سخي من الإمارات، أموالا ضخمة؛ لشراء ولاء بعض القبائل، واستمالة قياداتها للقتال إلى جانبه، وتزويده بالعناصر البشرية، مقابل وعود ومناصب في حكومته.

وفي الآونة الأخيرة، طبق "حفتر" استراتيجية جديدة تقوم على إنشاء مجالس قبلية تضم القبائل الصغرى في شكل تحالفات، كقبائل "العرفة" و"الحاسة"، وتعيين قيادات جديدة منها، خاصة أن أراضيهما تضم معسكره الرئيسي في "الرجمة" وقاعدة "الخادم" الإماراتية.

وقد يتغير ولاء القبيلة من وقت لآخر، مثل قبيلة "المغاربة"، التي تمتد أراضيها في كامل منطقة الهلال النفطي، وسط البلاد، وتعتبر مدينة "أجدابيا" (150 كم غرب بنغازي) قاعدتها الرئيسية، حيث تعرض قياداتها لاحقا لاعتقالات من قبل قوات "حفتر".

وفقدت القبيلة نفوذها بسيطرتها على حقول ومرافئ النفط، بعد قيام "حفتر" بالإطاحة بقائد حرس المنشآت النفطية، "إبراهيم الجضران المغربي"، لذلك لا يمكن ضمان ولاء القبيلة لقوات الشرق.

وفي السابق مثلا كانت قبيلة "الحاسي" تحظى بنفوذ واسع لدى "حفتر"، التي ينتمي لها اللواء "عبدالسلام الحاسي"، آمر غرفة العمليات الرئيسية للسيطرة على طرابلس، والذي اعتقل لاحقا في يونيو/حزيران 2019، بعد سقوط مدينة "غريان".

كذلك جرى تهميش قبيلة "العواقير" التي ينتشر أفرادها في "بنغازي" شرقي البلاد، بسبب خلافات بين "حفتر" والقيادي العسكري "فرج أقعيم العقوري".

موالون لـ"حفتر"

من أبرز الموالين لـ"حفتر"، قبائل "المرابطين"، وهي مزيج من القبائل الصغيرة المتوزعة من منفذ "امساعد" الحدودي مع مصر، وصولا إلى الحدود الإدارية لمدينة درنة (300 كم شرق بنغازي).

وتكمن أهمية تلك القبيلة في كونها المسيطرة على مدينة طبرق، مقر مجلس النواب الموالي لقوات شرق ليبيا، وقاعدة "جمال عبدالناصر" بالمدينة، أكبر القواعد العسكرية أقصى الشرق الليبي.

وهناك قبيلة "العبيدات" أكبر قبائل الشرق الليبي، وتتمركز في إقليم برقة، وقد تراجع ولائها لـ"حفتر"، في ظل الخلافات بينه وبين ابنها رئيس مجلس نواب طبرق "عقيلة صالح".

ويبرز في القبيلة، أيضا، اللواء "سليمان محمود العبيدي"، أحد رموز نظام "القذافي"، والذي شكل معارضة كبيرة لحرب "حفتر" على مدينة درنة خلال العام 2018.

وجراء خلافات حادة مع العقيد "فرج البرعصي"، فقد "حفتر" ولاء قبيلة "البراعصة" التي ساندت "عملية الكرامة" 2014، وتعرضت لاحقا لحملة اعتقالات ومداهمات، ما تسبب في توقف دعمها لقوات "حفتر".

وتتمثل أهمية "البراعصة" في تمركزها بمدينة البيضاء (200 كم شرق بنغازي)، وبالتالي تعد هي الحاضنة القبلية للحكومة المنبثقة عن مجلس نواب طبرق.

انقلاب "البرغثي"

ومن الدلالات على حدة الانقسامات داخل القبيلة الواحدة، ما شهدته قبيلة "العواقير" الداعمة لـ"حفتر" منذ العام 2014، لكن نظرا لخلافات حادة، انشق عنه أحد أبرز ضباطها العقيد "المهدي البرغثي"، في العام 2016.

المفاجأة أن "البرغثي" سحب أنصاره من بنغازي وانضم لحكومة طرابلس، وسرعان ما صار وزيرا للدفاع في حكومة "الوفاق"، لكن ذلك لم يدم سوى فترة قصيرة، بعد خلافات مع رئيس الحكومة "فائز السراج" حول تطورات ميدانية وقتالية.

وبعد الإطاحة بـ"البرغثي" من منصبه مايو/أيار 2017، سعى "حفتر" إلى مساومة "العواقير" للرجوع عن موقفها، والعودة إلى تأييده من جديد مقابل إطلاق سراح العقيد "فرج أقعيم العقوري".

أما قبيلة حفتر" فهي "الفرجان" وتتمركز في إحدى مناطق مدينة "ترهونة" (جنوب شرق طرابلس)، ولم يكن لها في السابق ثقلا كبيرا، وهي لا تعد من كبرى القبائل الليبية.

وتدين قبيلة "الزوية" بولاء كامل لـ"حفتر، وتمتد أراضيها من أجدابيا شمالاً حتى الكفرة الحدودية مع السودان جنوبا، وهي من قامت بغلق  صمامات النفط، يناير/كانون الثاني الماضي.

ويضم الموالون لـ"حفتر" بعض أبناء القبائل في الجنوب كالمقارحة (وسط) والقذاذفة (سبها) وأولاد سليمان (سرت) وبعض من قبائل "الطوارق"(جنوب) وقبيلة "الورفلة"(فزان).

قبائل "الوفاق"

هناك تشابك كبير ومعقد بين ولاءات القيادات النافذة في القبائل الليبية، وكذلك هناك تحولات لافتة تتغير حسب مستجدات الأوضاع، وتطورات الوضع الميداني.

وتبدو جليا تلك التعقيدات، في انشقاق ابن قبيلة "البراعصة" (أكبر قبائل الشرق الليبي)، العقيد "فرج البرعصي" عن "حفتر" 2016، وتأييده حكومة "الوفاق".

وجراء عزل أبناء "العواقير" من مناصب رفيعة، انشق على "حفتر"، أبرز قادة القبيلة، وأهمهم "فرج أقعيم"، قائد قوات العمليات الخاصة، الذي تولى منصب وكيل وزارة الداخلية في حكومة "الوفاق"، وأيضا "المهدي البرغثي" الذي تولى سابقا منصب وزير دفاع "الوفاق".

وهناك في الجنوب الليبي، تنتشر قبائل "التبو" والتي عانت من حكم "القذافي"، وهي تعد من أبرز داعمي ثورة فبراير/شباط 2011، وقد لعبت دورا كبيرا في إسقاط النظام الليبي السابق، ولاحقا تحالفت مع "حفتر".

لكن تحالف "حفتر" مع "التبو" انفرط عقده في مايو/أيار 2018، حين طمع الأول في التحالف أيضًا مع قبيلة "أولاد سليمان"(سرت وفزان) المعادية تاريخيًا لـ"التبو"، ويتوزع انتماء القبيلتين بين حكومتي الشرق وطرابلس.

كذلك هناك قبائل "الطوارق"(أمازيغية) في الجنوب والموالية لحكومة طرابلس، وعلى الرغم من محاولات "حفتر" للوقيعة بين بينها وبين قبائل "التبو"، فإن وساطة قطرية نجحت في إبرام اتفاق الدوحة؛ للصلح بينهما، نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

وتشهد قبيلة "الزنتان"، في الغرب الليبي، انقسامات هي الأخرى، لكن سيطرة "الوفاق" على قاعدة الوطية الجوية، عزز توجهات القبيلة نحو تأييد حكومة "السراج".

ولاءات معقدة

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الصراع في ليبيا تحول إلى نزاع قبلي على النفوذ والمناصب، وبات مستساغا أن تجد قبيلة موالية لـ"حفتر"، ثم تذهب لتأييد "الوفاق"، في محاولة للتموضع داخل المشهد السياسي في البلاد.

ومنذ 2014، يعول "حفتر" على إشعال جذوة النزعة القبلية لدى القبائل، وهو ما كان يعتمد عليه "القذافي" خلال فترة حكمه، حيث أحاط نفسه بحزام من القبائل (القذاذفة، المقارحة، الورفلة) صنفت كقبائل درجة أولى ونالت امتيازات اقتصادية، ولم تحظ بذلك القبائل الأخرى، بحسب "منتدى العاصمة للدراسات".

ويعد العامل الجغرافي حاسما في تحديد أهمية ووزن القبيلة، وحجم انتشاها سكانيا، وقدرتها على الحشد، في مجتمع قبلي، وكذلك مناطق تمركزها وقوة تسليحها.

ويؤخذ في الاعتبار، أن كمية السلاح الأكبر من ترسانة "القذافي" كانت من نصيب مدن المنطقة الغربية التي حظيت بالنصيب الأكبر من القتال ضد النظام، خصوصا مصراتة والزنتان، بينما حظيت مدن الشرق بمؤن ضخمة من الإمارات والسعودية ومصر وفرنسا.

ولا يمكن تجاهل الصراع على النفط كأحد أسباب تباين الولاءات بين القبائل، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن حكومة طرابلس، بموجب قرارات أممية، هي المنوطة بتصدير وتحصيل إيرادات النفط، وإبرام التعاقدات كذلك.

خريطة ولاءات القبائل في ليبيا متشابكة ومعقدة، ولا تصب في صالح مصر، وهو ما يضع السيناريو المطروح من "السيسي" باتجاه تسليح بعضها في مهب الريح، أو كمن يقف فوق فوهة بركان، قد يكتوي لاحقا بشظاياه، وقد تمسك النيران في جلابيبه.

المصدر | الخليج الجديد