فرنسا ترتدي الأخضر

لا يمكن صون البيئة إلا بسياسات وتدابير اقتصادية تتصل بالنهج الاقتصادي المتبع بكل بلد وعلى مستوى العالم.

وجهت النتائج ضربة لحزب رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، حزب «الجمهورية إلى الأمام» الحاكم، الذي تكبد هزيمة كبيرة.

نجاحات «البيئيين» الأخيرة في جوهرها نجاحات لليسار عامة، لا للخضر وحدهم الذين نالوا دعما واسعا من قوى اليسار الفرنسي.

*     *     *

يعد التقدم الكبير الذي حققه حزب المدافعين عن البيئة، الذين يعرفون، عبر أوروبا والعالم، بـ«الخضر» في الانتخابات البلدية الفرنسية، غير مسبوق في تاريخ الحزب وفي تاريخ فرنسا على حد سواء.

الحزب الذي لم يكن يدير سوى بلدية مدينة واحدة، هي جرونوبل في الجنوب، نجح بالفوز في مدن مهمة عدة هي ليون، ستراسبورغ، تور، بيزانسون، بواتييه، إضافة إلى بوردو، وهذه الأخيرة بالذات بقيت تحت هيمنة اليمين منذ 73 عاماً.

كان لهذا الفوز وقع المفاجأة في الأوساط السياسية الفرنسية، وربما الأوروبية أيضاً، ووجهت النتائج ضربة لحزب رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، حزب «الجمهورية إلى الأمام» الحاكم، الذي تكبد هزيمة كبيرة، ولا يقلل من وقعها حقيقة ارتفاع نسبة الامتناع عن التصويت، التي بلغت نحو 60 في المئة، بسبب ظروف جائحة «كورونا» على الأرجح.

يمكن القول إن فرنسا قررت أن ترتدي الأخضر، لون المدافعين عن البيئة، وموضوع البيئة ليس جديداً. مضت عقود منذ أن انبثقت حركة الخضر في القارة العجوز، فيما يشبه صحوة الاحتجاج على التعسف بحق شروط وقواعد التوازن البيئي، الذي يؤمن الحياة على الأرض، بعد أن بلغ الجشع الرأسمالي حدوداً قصوى، فالمعيار بات الاستثمار والربح فحسب، وليس مهماً كل هذا التلوث الذي سيسلم الكوكب للأجيال القادمة وقد بات غير صالح للعيش عليه.

ما رجح من معطيات عن بعض التعافي الذي شهدته البيئة في الأشهر الماضية جراء تقلص حركة المواصلات ورحلات الطيران ووقف الكثير من المصانع عن العمل في مختلف القارات، أعاد تسليط الضوء مجدداً على الموضوع، وهو أمر أتى لصالح دعاة صون سلامة البيئة، والمرجح أنه خدم حملتهم الانتخابية في بلد مهم كفرنسا.

موضوع البيئة ليس موضوعاً بيئياً فحسب؛ بل هو موضوع اجتماعي- اقتصادي مركب، فلا يمكن صون نظافة البيئة إلا بسياسات وتدابير اقتصادية صارمة، تتصل بعصب النهج الاقتصادي المتبع على مستوى كل بلد وعلى المستوى العالمي.

من هذه الزاوية يتعين النظر إلى نجاحات «البيئيين» الفرنسيين الأخيرة، فهي، في جوهرها، نجاحات لليسار عامة، لا للمدافعين عن البيئة وحدهم، الذين ما كانوا سيحققون ما حققوه من فوز لولا دعم واسع نالوه من مختلف القوى اليسارية الفرنسية على تنوع اتجاهاتها، ومن النقابات وناشطي المجتمع المدني.

خاصة أن الحزب الاشتراكي، رغم عدم نجاحه في اختراقات جديدة، ظل محتفظاً بكبريات المدن التي يسيرها منذ سنوات، وبينها العاصمة باريس، إضافة إلى مدن نانت، مونبلييه، رين، ديجون وغيرها في مختلف أرجاء البلاد.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين  

المصدر | الخليج - الشارقة