«حاكمة النيل» والحل العادل بشأن «سد النهضة»

موضوع سد النهضة سيفرض مناقشة الحصص المائية لجميع دول المصبّ مما لا يناسب تصوّر السلطات المصرية لنفسها باعتبارها «حاكمة النيل».

إثيوبيا حصلت على منح وقروض دولية من الصين وصندوق النقد وأمريكا وحليفتي مصر السياسيتين: الإمارات والسعودية.

السياسة المطلوبة من النظام المصري حلول عادلة لمصر والسودان وإثيوبيا وتخطيط استراتيجي لتوظيف إمكانيات مصر وليس البكاء على أيام نفرتيتي.

*     *     *

خلال إلقاء كلمته عبر «الفيديو كونفرانس»، في جلسة لمجلس الأمن الدولي المنعقدة بخصوص سد النهضة، ظهر وراء رأس وزير الخارجية المصري سامح شكري تمثال لرأس الملكة نفرتيتي!

وقد تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي الخبر فيما قامت إحدى الصحف المصرية بالتواصل مع خبير آثار أوضح لها أن «الملكة نفرتيتي لقبت بحاكمة النيل»، وأضافت الصحيفة أن التمثال يرمز أيضا «إلى عظمة الحضارة المصرية ويذكر بحق مصر في النيل».

تستعيد الحادثة المذكورة، على ما يبدو، ما حصل في آذار/مارس الماضي خلال اجتماع بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب اردوغان، حيث ظهر تمثال لكاترين الثانية، وهي امبراطورة روسيّة ألحقت عدة هزائم بالدولة العثمانية.

ويبدو أن الروس، عبر هذه الإشارة التاريخية، أرادوا إيصال رسالة رمزيّة تعطي قوة تاريخية للمكاسرة الدبلوماسية الحاصلة آنذاك بين البلدين، في سوريا وليبيا.

في مقابل «دبلوماسية التماثيل» المصرية هذه، وبعد التلميحات السابقة بإعلان الحرب على إثيوبيا، وصولا إلى جلسة مجلس الأمن الأخيرة وإعلان الحكومة المصرية أنها مؤيدة من قبل الدول العربية، فإن الحكومة الإثيوبية التي اعتبرت الجلسة الأخيرة استقواء للقاهرة عليها واستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية.

فقد استعانت هي أيضا بدورها بالتاريخ فشبّهت المحاولات المصرية بالاستعمار، وفي مواجهة مطالبتها بالتوقيع على اتفاقات ملزمة بحصص مائية دولية للسودان ومصر، فقد طالبت بدورها بإلغاء الاتفاقات السابقة لتوزيع الحصص المائية الموقعة خلال فترة الاستعمار.

ردا على طلب مصر الحصول على حصتها كاملة إضافة إلى تعويضها في حالة حصول جفاف، وافقت إديس أبابا على التعويض على أن يكون ذلك من كل السدود على النيل، بما فيها الموجودة في السودان وبحيرة ناصر، ووضع آلية توزيع عادلة للجميع.

وبالتالي فإن ما يقلق القاهرة هو أن موضوع سد النهضة سيفرض مناقشة الحصص المائية لجميع دول المصبّ، وهو أمر لا يتناسب، على ما يبدو، مع تصوّر السلطات المصرية لنفسها باعتبارها «حاكمة النيل»، وهي حالة لا تورث باعتبارك صاحب حضارة عظيمة، ولا يمكن أن تفرض بالقوّة الغاشمة، كما هو حاصل مع شؤون النظام الداخلية مع مواطنيه.

لا نتخيّل أن يقوم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بقيادة حملة لغزو الحبشة، كما فعل الخديوي إسماعيل عام 1868، وانتهت بهزيمة لمصر حينها، كما لا يفترض أن تتوقع القاهرة دعما كبيرا، حتى من جارتها السودانية، التي أكد أحد خبرائها «عدم تضرر مصر البتة على المدى البعيد أو القريب من بناء السد».

وأن الأمر يتعلق باختلاف على مدة تعبئة بحيرة الخزان في مرحلة الملء الأولى، وأن هذا السد هو لتوليد الطاقة وليس للتوسع في الري أو الزراعة، معتبرا أن ما يجري سببه «المماحكات والمناورات السياسية الداخلية في مصر»، و«مهاترات الإعلام المصري بحق إثيوبيا والسودان».

وأنه لم يعد هناك معنى لمقولة «الحقوق التاريخية المكتسبة لمصر في مياه النيل»، فكل دول المنابع والمصب المتشاطئة لها حقوق متساوية» مشيرا إلى أن مصر تخزن في السد العالي 162 مليار متر مكعب وهو أكثر من ضعف حجم بحيرة سد النهضة، وتشكل احتياطيا مائيا لمصر ضد سنوات الجفاف لمدة 5 سنوات.

مهم الإشارة أيضا إلى أن إثيوبيا حصلت على منح وقروض دولية خلال العامين الأخيرين من الصين وصندوق النقد الدولي، والولايات المتحدة، وكذلك من حليفتي مصر السياسيتين: الإمارات والسعودية.

والنتيجة أن السياسة المطلوبة من النظام المصري هي الموافقة على حلول عادلة لمصر والسودان (التي لم تستفد شيئا من السد العالي) وإثيوبيا، والتخطيط الاستراتيجي لحلول تستفيد من إمكانيات مصر وليس البكاء على أيام نفرتيتي.

المصدر | القدس العربي