الخميس 2 يوليو 2020 03:19 م

الفساد ومسار الثورة في تونس

أمّ معارك الشعوب التحررية هي الحرب ضد الفساد المالي والسياسي والثقافي لأن الاستبداد لا يتأسس إلا عليه.

لا يمكن الحديث عن نجاح الثورة ومسار ديمقراطي بدون استئصال جذور الفساد وتجفيف منابعه والحدّ من ضررها على الدولة والمجتمع.

ملفات الفساد في تونس ليست إلا أداة لحرب بين مكونات الطيف السياسي وهي حرب تُخفي بنية عميقة داخل الدولة وأجهزة صنع القرار.

*     *     *

لا حديث في تونس اليوم إلا عن ملفات الفساد التي صارت تنفجر كمفرقات العيد في كل مكان وفي كل حين. آخر المفرقعات وأكبرها تلك المتعلقة برئيس الحكومة الجديد الذي أقام شعار حكومته على محاربة الفساد فإذا به متورط في فضيحة تضارب مصالح عندما صار رئيسا للحكومة وعقد مع الدولة صفقة بعشرات المليارات.

الفضيحة المالية والسياسية تمثل اليوم محور أزمة سياسية خانقة قد تعصف بالحكومة وبرئيس الحكومة وتدفع به نحو الاستقالة.

كان شعار محاربة الفساد الشعار الأبرز لكل الحكومات التي تداولت على الحكم في تونس منذ الثورة لكنها لم تنجح جميعها في استئصال الآفة الفتاكة أو حتى الحدّ منها بعد عشر سنوات من عمر الثورة.

بل إن كثيرين يرون الفساد المركزي الذي كان سائدا في عهد النظام السابق قد تحوّل إلى فساد مبثوث أفقيا وصارت السيطرة عليه أشد صعوبة وعسرا.

آخرون يرون أنّ الفساد ليس ممارسات فردية بل ثقافة وعقلية ترسخت في جينات الممارسة السياسية منذ عقود وهو ما يجعل الحرب معها حربا طويلة المدى تستوجب تضحيات وتضحيات كبيرة.

صحيح أنّ ملفات الفساد في تونس ليست في جزء منها إلا أداة لحرب بين مكونات الطيف السياسي وهي حرب تُخفي في الحقيقة بنية عميقة داخل الدولة وداخل أجهزة صنع القرار السياسي.

وهو الأمر الذي يوجب تغيير شكل التعامل معها بتسليح البلاد بقدرات قانونية وتنفيذية أقوى من المنظومة القانونية السائدة وهي منظومة جُعلت لمنع تتبع الفاسدين أو محاسبتهم.

إن خطورة ملفات الفساد لا تقتصر على النزيف الذي تتسبب فيه للدولة والمجتمع والضرر الجسيم الذي تُلحقه بالخطط التنموية ومشاريع النهوض في الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية بل هي في الحقيقة قنبلة موقوتة قد تؤدي إلى انفجارات اجتماعية غير مأمونة العواقب.

لكن من جهة أخرى يشكّل انكشاف هذه الملفات مكسبا جديدا للثورة التونسية بعد أن كان يعدّ ممارسة طبيعية في منظومات الاستبداد السابقة للثورة. وهو الأمر الذي قد يشكل مرحلة سابقة لتصفية هذا الإرث الثقيل بتفعيل العقوبات الجزائية الرادعة ضد المتورطين في الفساد.

لا شك أن أمّ المعارك التحررية التي تخوضها الشعوب هي معارك الحرب ضد الفساد سواء منه المالي أو السياسي أو الثقافي لأن الاستبداد لا يتأسس إلا عليهما.

بناء عليه فإنه لا يمكن الحديث عن نجاح الثورة ولا عن مسار ديمقراطي ما لم ينجح في استئصال جذور الفساد وفي تجفيف منابعه والحدّ من ضررها على الدولة والمجتمع.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن القطرية