رسائل الكاظمي إلى أمريكا وإيران

هل قرر الكاظمي خوض المعركة ضد النفوذ الإيراني في العراق؟

ما هي رسائل الكاظمي للأمريكيين جرّاء إقدامه على اقتحام مقر أحد الفصائل الموالية لإيران؟

فهل سيقدرها الأمريكيون ويفوا بوعودهم؟ أم أن الرسالة غير كافية؟ وما رسائله للإيرانيين باقتحام مقر أحد حلفائهم؟

كيف يحقق الكاظمي التوازن بين إيران وأمريكا بعد أن عجزت رسائله المتناقضة للأمريكيين والإيرانيين عن فتح ثغرة بجدار المعضلة؟

هل قرر الكاظمي خوض المعركة الصعبة مع فصائل وميليشيات موالية لإيران ومنفلتة عن ضوابط «الحشد الشعبى» باعتباره من مكونات القوات المسلحة؟

*     *     *

من الصعب تصور أن القرار الذى اتخذته السلطات العراقية، فجر يوم الجمعة الماضي (2020/‏6/‏26)، باقتحام أحد مقار «كتائب حزب الله» (العراقي) في منطقة «البوعيثة» جنوب العاصمة بغداد، وتوقيف 13 شخصاً، من بينهم شخص «إيرانى الجنسية»، كان مجرد قرار أمني بحت، ليست له خلفياته السياسية، أو أنه تم من دون أوامر مباشرة من رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي.

وذلك لأسباب كثيرة يأتي في مقدمتها، أن هذا المقر الذي تم اقتحامه كان يضم ورشة لصناعة الصواريخ، وأنه يعود إلى «كتائب حزب الله» الأكثر تشدداً في عدائها للأمريكيين ضمن مكونات «الحشد الشعبي»، والمتهم أمريكياً بمواصلة إطلاق الصواريخ على المنطقة الخضراء؛ حيث مقر السفارة الأمريكية، وعلى القواعد العسكرية الأمريكية.

وأنه؛ أي هذا الفصيل هو الأكثر عداء للكاظمي، باعتباره متهماً بتسريب معلومات استخباراتية، وقت أن كان رئيساً للاستخبارات العراقية، إلى الأمريكيين، وأن هذه المعلومات هي التي يسرت عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني ومعه أبو مهدي المهندس نائب رئيس «الحشد الشعبي» العراقي بالقرب من مطار بغداد (2020/‏1/‏3)!

لكن الأهم هو أن عملية الاقتحام هذه جاءت تنفيذاً لتعهدات قدمها الكاظمي للشعب العراقي، وفي مقدمته القوى الشعبية المشاركة في الحراك الشعبي الذي قاد التظاهرات التي اجتاحت محافظات ومدن العراق منذ أكتوبر/‏ تشرين أول الماضي تطالب بإسقاط حكم الطبقة السياسية الحاكمة، ومحاربة الفساد والغلاء، وهي التعهدات التي أكد فيها، عقب تكليفه برئاسة الحكومة الجديدة، أن يحافظ على السيادة العراقية، وأن يضع نهاية لانتشار السلاح خارج إطار الدولة.

هنا بالتحديد، يجدر التساؤل عما إذا كان الكاظمي قد قرر خوض المعركة الصعبة مع الفصائل والميليشيات الموالية لإيران، المنفلتة عن ضوابط «الحشد الشعبى» باعتباره (الحشد) أحد مكونات القوات المسلحة العراقية للحكومة؟

هذا السؤال يقود إلى السؤال الأصعب، وهو هل قرر الكاظمي خوض المعركة ضد النفوذ الإيراني في العراق؟

وإذا كانت الإجابة «نعم»، هل هذا الأمر يعد أحد البنود السرية لمخرجات الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي الأمريكي- العراقي الذي جرى، «عبر دائرة تلفزيونية مغلقة» في (2020/‏6/‏11)، وهل سيكون في مقدور الكاظمي خوض هذه المعركة؟

ربما تكون الإجابة الأكثر واقعية أن خطوة اقتحام مقر «كتائب حزب الله»، واعتقال من فيه لن تكون أكثر من عملية «جس نبض» للقوى المتمردة في فصائل «الحشد الشعبي» ضد الحكومة ورئيسها وتوجهاته لاسترضاء الأمريكيين كما كشفتها مخرجات الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي.

حيث كان واضحاً أن الطرف العراقي في الحوار لم يكن ضمن أولوياته تنفيذ قرار البرلمان العراقي بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي!

وأنه كان معنياً أكثر بـ«تنظيم هذا الوجود» بما يتوافق مع الاحتياجات والمصالح الأمنية (محاربة فلول «داعش» وتوفير احتياجات الجيش العراقي من التسليح والتدريب)، والاقتصادية (مساعدة أمريكا للعراق بالخروج من أزمته الاقتصادية الخانقة)، والسياسية (بالتوصل إلى تحقيق توازن في علاقات العراق الإقليمية والدولية بالانفتاح على جواره العربي وإخراج العراق من دائرة الاستقطاب والصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة).

هذا التوجه لرئيس الحكومة نحو «تنظيم» العلاقة بالولايات المتحدة لم يأتِ على هوى إيران وحلفائها داخل العراق؛ لذلك لم تتوقف عمليات إطلاق الصواريخ على المنطقة الخضراء وعلى القواعد العسكرية الأمريكية.

من هنا يمكن فهم قرار اقتحام مقر «كتائب حزب الله» بأنه خطوة لوضع حد لتجاوزات هذه الميليشيات، والوفاء للأمريكيين بالتعهد بحماية القوات العسكرية للتحالف الدولي والمرافق العسكرية التي تستضيفها.

وذلك مقابل تعهد الأمريكيين بمواصلة تقليص عدد القوات الأمريكية والحوار مع الحكومة العراقية حول وضع القوات المتبقية، مع تأكيد أن الولايات المتحدة «لا تسعى إلى إقامة قواعد دائمة أو تواجد عسكري دائم في العراق».

إذا كانت هذه هي رسائل الكاظمي للأمريكيين جرّاء إقدامه على اقتحام مقر أحد الفصائل الموالية لإيران، فهل سيقدرها الأمريكيون ويفوا بوعودهم؟ أم أن الرسالة غير كافية؟ كذلك إذا كانت هذه هي رسائل الكاظمي للأمريكيين فما رسائله للإيرانيين باقتحام مقر أحد حلفائهم؟

حتى الآن يصعب الاقتناع بأن الكاظمي في مقدوره أن يخوض حرباً مفتوحة ضد إيران ونفوذها في العراق، فهو يدرك أن القوى السياسية الحقيقية العراقية لن تسمح له بذلك، كما يدرك أن دعم المكون السُني والمكون الكردي لأية خطوة لتقليص النفوذ الإيراني لن يكون كافياً لتوفير القدرات اللازمة لخوض مثل هذه المعركة.

ولعل في دخول نوري المالكي رئيس الحكومة الأسبق رئيس تحالف «دولة القانون» والأكثر اقتراباً من إيران كطرف في الأزمة، يحمل إشارات للكاظمي بأنه يجب أن يضع حدوداً لقراراته ضد «الحشد الشعبي».

فقد دعا المالكي على حسابه في «تويتر» إلى «عدم الاعتداء على الحشد الشعبي أو الانتقاص منه وعلى الجميع ضبط النفس»، وهكذا يجد الكاظمي نفسه يعود إلى «نقطة البداية» مجدداً:

كيف يمكن تحقيق التوازن بين إيران والولايات المتحدة في العراق؛ بعد أن عجزت رسائله المتناقضة للأمريكيين والإيرانيين عن فتح ثغرة في جدار هذه المعضلة؟

* د. محمد السعيد إدريس مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

المصدر | الخليج - الشارقة