تشهد مصر تغييرات كبيرة في الملف الصحفي والإعلامي، بدأت بتشكيل مجلسين جديدين للصحافة والإعلام، والإعلان عن قرب عودة إعلاميين غابوا عن الشاشات منذ سنوات، والتحضير لتغييرات في رؤساء تحرير الصحف القومية.

يأتي ذلك بالتزامن مع أزمات كبيرة وتحديات تواجهها البلاد، وفعاليات مرتقبة خلال الأشهر المقبلة.

كما يأتي إعادة تشكيل المشهد الصحفي والإعلامي، بهدف إعادة تنظيم الإعلام في صف واحد موال للسلطة الحاكمة، تحت إشراف وزير الدولة للإعلام "أسامة هيكل"، خصوصاً أن إعلام النظام، الذي يشير مراقبون إلى أن المخابرات هي من تتحكم فيه، تلقى ضربات قوية خلال السنوات الماضية.

وهذه الخطوة تأتي بالتزامن مع وصول إعلام المعارضة، إلى منازل المصريين، حيث بات يتمتع بمشاهدة كبيرة بين المواطنين، وعلى وجه أخص منذ بدء أزمة تفشي فيروس "كورونا" في البلاد.

مجلسان جديدان

هذه التغييرات، بدأت بالإعلان عن تشكيل جديد للهيئتين الصحفية والإعلامية، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمقرر أن يؤدي أعضاؤهم اليمين القانونية أمام مجلس النواب في جلسة الأحد، 5 يوليو/تموز الجاري.

يأتي ذلك بعد صدور قرارات رئاسية بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام برئاسة "كرم جبر"، وتشكيل الهيئة الوطنية للصحافة برئاسة "عبدالصادق الشوربجي"، وتشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، مع استمرار رئيسه"حسين زين".

ووفق "الشوربجي"، فإنه سيستهدف إخراج المؤسسات الصحفية القومية، الغنية بأصولها الثابتة، من عثرتها المالية، لافتا إلى أنه سيجتمع بمجلسه لبحث خطوات التغييرات الصحفية المنتظرة.

كما أكد "زين" أهمية تحديث وتطوير آليات العمل بالمؤسسات الإعلامية.

تغييرات صحفية

ووفق مصادر صحفية، فإنه أول اجتماع لـ"الهيئة الوطنية للصحافة"، سينظر في تسمية رؤساء مجالس الإدارات والتحرير الجدد للصحف القومية، لا سيما أن الرؤساء الحاليين انتهت مدتهم القانونية منذ فترة ليست بقصيرة.

ووفق المصادر، فإن الأسماء الجديدة لن تشمل "ياسر رزق"، الذي يشغل منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم" منذ يونيو/حزيران عام 2014.

وبات وكيل أول نقابة الصحفين رئيس تحرير صحيفة "الأخبار" اليومية "خالد ميري"، وفق المصادر، هو الأقرب لتولي منصب "رزق"، لما يتمتع به من علاقات مع أجهزة الأمن والمخابرات، بوصفها المسؤولة عن تزكية أسماء المرشحين لمناصب رؤساء مجالس الإدارات والتحرير، ثم إرسالها إلى مؤسسة الرئاسة لاعتمادها، ومنها إلى "الهيئة الوطنية للصحافة" لإعلانها أمام الرأي العام.

وأوضحت المصادر نفسها، أن رئيس تحرير صحيفة "الأهرام" اليومية "علاء ثابت"، مرشح لتولي منصب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الأكبر، بدلاً من نقيب الصحفيين السابق "عبدالمحسن سلامة"، مع تصعيد أحد رؤساء تحرير الإصدارات الفرعية لمنصب رئيس التحرير.

ولعل أبرز المرشحين لهذا المنصب رئيس تحرير مجلة "الأهرام الرياضي" سكرتير عام نقابة الصحفيين "محمد شبانة"، ورئيس تحرير صحيفة "الأهرام المسائي"، "ماجد منير".

كما أن عضو مجلس النقابة الشاب "أيمن عبدالمجيد"، مرشح لتولي منصب رئيس تحرير صحيفة "روز اليوسف"، بدلاً من "أحمد باشا"، الذي سبق اتهامه في بعض وقائع التحرش بالصحفيات داخل المؤسسة.

وأضافت المصادر، أن "هناك اتجاهاً للإبقاء على "أحمد أيوب" في منصب رئيس تحرير مجلة "المصور" الصادرة عن "دار الهلال"، و"محمد أمين" في رئاسة تحرير مجلة "أكتوبر" الصادرة عن "دار المعارف".

تحديات صحفية

وكانت مصادر صحفية، قالت إن التغييرات في القيادات الصحفية تستند لأسباب عدة، منها عدم نجاح رؤساء مجالس الإدارات والتحرير الحاليين في ملف التطوير، وإعادة الهيكلة، بما يضمن تخفيض حدة المديونيات المتراكمة، علاوة على تراجع توزيعها بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة.

وكانت اللائحة التنفيذية لقانون "الهيئة الوطنية للصحافة"، التي أصدرها رئيس الوزراء "مصطفى مدبولي"، العام الماضي، أقرت دمج عدد من المؤسسات الصحفية المملوكة الدولة، وإلغاء العديد من إصداراتها بدعاوى التطوير، إلى جانب بيع أصولها بحجة سداد الديون المتراكمة عليها منذ سنوات.

وتجرى دراسات حالياً على قدم وساق تمهيداً لإلغاء إصدارات صحفية ورقية عريقة في مصر، وتقليل أعداد العمالة فيها تحت مسمى إصلاح وهيكلة المؤسسات الخاسرة.

عودة إعلاميين

هذه التغييرات لم تقف عند الصحفيين، بل طالت عودة إعلاميين كبار، كانوا قد تركوا الشاشات منذ 3 سنوات على الأقل.

ومن المقرر أن يعود الإعلامي "خيري رمضان" للظهور مرة أخرى، بعد أن كان آخر ظهور له في برنامج "مصر النهاردة" المذاع عبر القناة الأولى بالتلفزيون المصري عام 2018.

وبالتزامن مع عودة "رمضان"، يعود الصحفي "مجدي الجلاد"، في برنامج يجمعهما مع إعلاميين آخرين، بعدما كان آخر ظهور لـ"الجلاد" في مايو/أيار 2017، عبر شاشة قنوات "الحياة" من خلال برنامج "معالي المواطن".

الشاشة الصغيرة، تشهد أيضًا عودة الكاتب الصحفي "إبراهيم عيسى"، ليكون أحد مقدمي البرنامج الذي يُشارك فيه كوكبة من الإعلاميين المصريين، بعد أن كان آخر ظهور لـه في 2018، قبل أن يتوقف برنامجه "حوش عيسى"، المذاع عبر قناة "ON E".

البرنامج المرتقب سيضم أيضا "محمد علي خير"، و"كريمة عوض"، والإذاعي "مروان يونس"، و"سالي عبدالسلام"، والسيناريست "مدحت العدل"، ويشرف عليه الكاتب الصحفي والإعلامي "محمد هاني" رئيس قنوات "cbc" سابقا، والذى سبق أن أعلن اعتزال العمل التلفزيوني، فى نوفمبر/تشرين الثاني 2018.

كما يعود الإعلامي "معتز الدمرداش" مرة أخرى بعد أكثر من 3 سنوات من الانقطاع، ورحيله عن قناة "النهار"، وتوقف برنامجه "آخر النهار"، ولكن هذه المرة عبر شاشة قناة النادي "الأهلي"، حيث يقدم برنامج "توك شو" ضمن خطة إدارة القناة للتطوير.

كما تعاقدت قناة "النهار"، مع الصحفي "محمد الباز" رئيس مجلس إدارة وتحرير صحيفة "الدستور" لتقديم برنامج "آخر النهار"، إضافة لبرنامج "باب الخلق" الذي يقدمه الإعلامي "محمود سعد".

كما وقعت الإعلامية اللبنانية "راغدة شلهوب" عقدا لتقديم برنامج جديد، بالإضافة إلى التعاقد مع الممثلة "ريم البارودي" لتقديم برنامج "شارع النهار".

فيما أعلنت قناة "الحياة"، انضمام الإعلامي "محمد مصطفى شردى" إلى فريق مذيعيها.

كما تعاقد برنامج "90 دقيقة" على قناة "المحور"، على ضم الإعلامي "أسامة كمال" إلى فريق مذيعيه، بعد مفاوضات استمرت شهرين تقريبا، ليعود من خلاله إلى الشاشة بعد عام تقريبا على توقفه عن تقديم برنامجه السابق "مساء dmc".

برنامج "90 دقيقة"، شهد خلال الفترة الماضية، انضمام "معتز بالله عبدالفتاح"، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، ليعود من خلاله أيضا إلى الشاشة، بعد فترة من التوقف، حيث يتقاسم حاليا تقديم البرنامج مع الإعلامية "جيهان لبيب".

ومن المقرر أن يعاد تقسيم الأيام بعد انضمام "كمال" رسميا أول أغسطس/آب المقبل، وهناك تصور آخر أن يقتصر تقديم "90 دقيقة" على "كمال" و"جيهان"، وأن يسند تقديم برنامج "48 ساعة" إلى "عبدالفتاح".

تزامنت هذه التغييرات، امتدادا لما بدأته المخابرات العامة، في فبراير/شباط الماضي، ممثلة في شركة "المتحدة" المملوكة لها، تطوير برامج التلفزيون المصري الرسمي.

هذا التطوير شهد في مراحله الأولى "نشرة التاسعة" على القناة الأولى، والتي تحولت إلى نشرة وتوك شو في برنامج واحد يقدمه الإعلامي "وائل الإبراشي".

مصالحات وترضيات

هذه التغييرات، تأتي تأكيدا لتسريبات إعلامية، ظهرت في فبراير/شباط الماضي، قالت إن جهاز المخابرات العامة، بدأ إجراء مصالحات مع الوجوه الإعلامية المستبعدة عن الشاشات خلال الفترة الأخيرة، وذلك ضمن تطورات يشهدها ملف الإعلام المصري.

وترتبط تلك التطورات بتقليص صلاحيات، وربما إبعاد غير معلن، للمقدم في جهاز المخابرات العامة "أحمد شعبان"، المسؤول عن إدارة الملف.

وترددت أنباء مؤخرا عن تغييرات قريبة في الملف الإعلامي، بعد الحديث عن إبعاد "محمود" نجل "السيسي"، إلى روسيا في مهمة طويلة، حيث كان مسيطرا على عدد من الملفات بينها الملف الإعلامي.

ولا يزال جهاز المخابرات العامة مسيطرا على الملف الإعلامي، لكنه يجري تطورات حلت عددا من الإشكالات، وجرى تأجيل بعضها الآخر.

وشملت تلك الإجراءات بعض المغضوب عليهم من خلف الكاميرا بخلاف المذيعين، ومن هؤلاء مسؤولون عن إعداد المحتوى أُعيدوا إلى العمل بعد أشهر من إجبارهم على الجلوس في منازلهم.

وتنوعت الترضيات بين الدفع إلى المشاركة في المحتوى المقدم على الشاشات الخاصة والحكومية، أو المشاركة في العمل مع الذراع الإنتاجية للدراما، شركة "سينرجي".

وخلال العامين الأخيرين، آلت ملكية الغالبية العظمى من القنوات الفضائية والوكالات الإعلانية، والصحف والمواقع الإلكترونية، إلى جهاز المخابرات العامة، الذي بات يدير منظومة الإعلام الرسمي والخاص على نفقة الموازنة العامة للدولة.

تحديات كبيرة

هذه التغييرات وإعادة الظهور وترتيب البيت الإعلامي، تأتي في ظل تحديات كبيرة تشهدها مصر، خلال الفترة الحالية، وفاعليات مرتقبة خلال الأشهر المقبلة.

كشف هذه التحديات، البيان الصادر عن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الشهر الماضي، والذي طالب فيه جميع وسائل الإعلام ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، عدم تداول أي أخبار خارج إطار البيانات الرسمية فيما يخص، الوضع الراهن في ليبيا، وسد النهضة الإثيوبي، والعمليات العسكرية في شبه جزيرة سيناء (شمال شرق)، وفيروس "كورونا".

وخلال البيان، هدد المجلس، أنه سيتخذ كل الإجراءات التي كفلها له القانون ضد المخالفين لهذا القرار بتوقيع أقصى العقوبات والإحالة للنائب العام.

وتتعرض السلطات المصرية لانتقادات كثيرة بسبب سوء إدارتها للعديد من الملفات والأزمات سواء فيما يتعلق بالتعامل مع أزمة وباء كورونا، إلى ملف سد النهضة الذي يواجه تعثرًا لافتًا في الوقت الحالي، ثم الأزمة الليبية وخسارة حليفها الجنرال "خليفة حفتر" في معركة طرابلس.

في وقت تترقب مصر، إجراء انتخابات مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، الشهر المقبل، مع بدء برنامج إصلاح اقتصادي جديد، تنفذه الحكومة بالتزامن مع قرض جديد من صندوق النقد الدولي. 

المصدر | الخليج الجديد