الأزمة القيمية الكونية وصحوة الضمير الآنية

هل سيتم التعامل مع البشر جميعاً على أنهم يمتلكون القيمة ذاتها التي لا بد وأن تُقدر وتُحترم؟

هل ستكون حركة مناهضة العنصرية مقدمة لتحوّل فكري يرسخ القيم الإنسانية ويركز على قيمة الإنسان كإنسان؟

استغلت التيارات القومية المتطرفة والعنصرية المتشددة الصعوبات التي أفرزتها وصول دفعات كبيرة من اللاجئين لتغذية التعصب.

*     *     *

تعاطف الرأي العام الأمريكي والدولي مع محنة المواطن الأمريكي جورج فلويد الذي قُتل خنقاّ من قبل أحد رجال شرطة بلاده، وذلك بعد ان استهتر الأخير بكل توسلات فلويد.

لقد تسبّبت هذه الحادثة في الكثير من الغضب، وأثارت العديد من الأسئلة الخاصة بالأسباب الكامنة وراء جملة من الحوادث المماثلة التي تعرض، ويتعرض، لها مواطنون "سود" في أمريكا، وحتى في أماكن أخرى من "العالم المتحضر".

وقد ذكّرنا هذا التعاطف الذي أظهره الرأي العام العالمي مع هذه القضية بذاك الذي كان مع قضية الطفل السوري آلان كردي، الذي قضى غرقا في 2 أيلول/ سبتمبر 2015 في بحر الأقدار بين تركيا واليونان من دون أن يتمكن والده من إنقاذه!

وهو الذي كان يريد إبعاده عن الموت الذي حصد أرواح مئات الآلاف من السوريين نتيجة الحرب الوحشية، وهي الحرب التي أعلنها نظام الفساد والاستبداد على الشعب الثائر.

ففي ذلك الحين أظهر الأوروبيون بصورة خاصة، وعلى المستويين الرسمي والشعبي حزنهم العميق للمصير المأساوي الذي تعرض له آلان، وتحوّلت صورته إلى أيقونة تثير الأسى والتحسر. فقد خطفت صورة الصغير بلباسه الأزرق والأحمر، وهو ملقى من دون روح على شاطئ البحر الأفئدة.

وانهمرت دموع غزيرة تعاطفاً مع محنة آلان وأسرته. شخصياً اعتقدت في بداية الأمر أن ما نشاهده عبارة عن دمية فقدها أحد الأطفال السوريين في طريق النزوح؛ ولكن الصاعقة كانت حين تم التيقن من أن ما نشاهده جثة طفل حقيقي، وليس دمية.

تماماً كما أن الضحايا السوريين هم أناس لهم أهل وأصدقاء وآمال، ولم يكونوا أبداً مجرد أرقام باتت مجالاً للتلاعب من قبل العديد من المنظمات الدولية لحسابات لا علاقة لها بالإنسانية والتعاطف مع محن الناس.

وغالباً ما كانت الغاية هي التحرر من مسؤولية الإقدام على فعل جاد لمنع القتل المنهجي الذي تعرض له السوريون من جانب النظام الذي استخدم كل أنواع الأسلحة في سبيل سحق إرادتهم؛ بما في ذلك الطيران والصواريخ والأسلحة الكيميائية وبراميل البارود التي جسّدت الحقد بأبشع صوره؛ وذلك على مدى أعوام متواصلة أمام مرأى ومسمع العالم أجمع.

وفي خضم تصاعد وتيرة التعاطف الدولي مع مأساة آلان، فتحت الدول الأوروبية حدودها أمام أمواج من اللاجئين السوريين وغير السوريين، وتطوّعت الكثير من المنظمات المدنية للترحيب باللاجئين، وتقديم العون لهم، واستقبالهم بكل ود واحترام في مختلف الدولة الأوروبية، وفي ألمانيا والسويد بصورة خاصة.

وقد اعتقدنا أن صحوة الضمير الإنساني التي انتظرناها طويلاً قد تحققت بالفعل. ولكن صديقاً سويدياً مطلعاً متابعاً لتوجهات السياسات الغربية، وخلفياتها، وطريقة تعاملها وتفاعلها مع الرأي العام، حدّ من تفاؤلي قائلاً: إنها صحوة مؤقتة، سطحية آنية؛ لن تطول.

فهي تفتقد مقوّمات الاستمرار. وهناك عوامل واقعية قوية تقف عائقاً أمام ديمومة هذه الصحوة وتطورها؛ وفي مقدمتها النزعة المصلحية المتوحشة التي باتت موجهاً لسلوكية الأفراد والدول، وهي نزعة تستغلها الحركات والتيارات الشعبوية، وتبني عليها.

ويبدو أن صديقي الحكيم لم يكن يقرأ الغيب، وإنما كان يستند إلى معرفته الدقيقة بنتائج الشرخ الهائل الذي يفصل في عالمنا المعاصر بين التطور الكبير الذي شهدته علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والبيولوجيا وتطبيقاتها التكنولوجية من جهة؛ والمستوى المتواضع من الاهتمام والتشجيع الذي تلقاهما العلوم الإنسانية، وافتقاد الدعوات المطالبة بمزيد من التركيز على القيم والقضايا الأخلاقية، للدعم المطلوب الذي يرتقي إلى مستوى التحديات.

كما كان صديقي، على ما يبدو، يبني حكمه بناء على معرفته بطبيعة التحولات التي شهدتها المجتمعات الأوروبية نتيجة تنامي النزعة الاستهلاكية الشرهة التي لا تلتزم بأية معايير أخلاقية وبيئية وإنسانية بصورة عامة.

كما كان يتكئ على نتائج التراجع الكبير في دور الأسرة، وتفاعل كل ذلك مع طبيعة أنظمة العمل، واستغلال جماعات الجريمة المنظمة لفضاءات العولمة والتنافس الحاد بين القوى الدولية المحورية على المناطق التي تعد في حساباتها مشاريع دائمة للاستغلال والاستنزاف عبر مجموعة من الأنظمة.

وهي التي مُنحت "الشرعية الدولية" مقابل تعهدها بضبط الأوضاع وفق ما هو مرسوم لها، وهذا ما نجده في أفريقيا بصورة عامة، وأمريكا اللاتينية، ومناطق واسعة من آسيا.

وبكل أسف، تحققت توقعات صديقي السويدي المطلع على أساليب التضليل التي يستخدمها الكثير من السياسيين وأحابيلهم، وعلاقاتهم مع مافيات الفساد، في فترة قصيرة نسبياً، ووجدنا كيف استغلت التيارات القومية المتطرفة والعنصرية المتشددة الصعوبات التي أفرزتها وصول دفعات كبيرة من اللاجئين.

كما استغلت الجماعات والقوى شعارات وممارسات الجماعات الإسلاموية المتطرفة، ووظفت عملياتها الإرهابية في العديد من الدول الأوروبية ضمن حملاتها الأيديولوجية الانتخابية.

وبناء على هذه التجربة التي ما زالت حية نعيشها عبر تفاعلاتها، نرى أن حملات التنديد بما تعرض له فلويد، ومناهضة التمييز العنصري على المستويين الأمريكي والدولي هي حملة مطلوبة، وتجدد الآمال بمستقبل أفضل للإنسانية.

ولكن الخشية كل الخشية أن تظل هي الأخرى مجرد صحوة سطحية، سرعان ما ستتجاوزها المؤسسات الإعلامية العملاقة المبرمجة وفق مصالح الممولين، هؤلاء الذين يبدو أن معادلات النظام العولمي في صيغتها الراهنة لم تعد تنسجم مع حساباتهم.

لذلك نلاحظ ارتفاع نبرة المطالبات بضرورة حماية المصالح القومية/ الوطنية، وإعادة النظر في الاتفاقيات الدولية السابقة، أو حتى إلغائها ما لم تنسجم مع المصالح القومية/ الوطنية.

ولعل الشلل الذي نلاحظه في عمل الهيئات الدولية، وفي المقدمة منها هيئة الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، يعكس جانباً من جوانب الأزمة الأخلاقية الكونية الكبرى التي يعيشها عالمنا المعاصر.

فكل القرارات خاضعة لمصالح الدول، ولا تعطي أي اعتبار لمسائل حقوق الإنسان إلا في الحالات التي تستوجب فيها مصالح الدول إثارتها. كما أن المنظمات الإنسانية بمختلف أسمائها ووظائفها تعاني من الترهل، وعدم القدرة على اتخاذ القرارات والمبادرات، طالما أن مصالح الدول لا تسمح بذلك، كما أنها تعاني من حالات فساد مزمنة، وقد وجدنا في الحالة السورية نماذج لا تحصى في هذا المجال.

لقد كانت أمام الرئيس الأمريكي باراك أوباما فرصة ذهبية لفعل الكثير من الأمور سواء على صعيد الحوار بين الحضارات والأديان، أم على صعيد إجراء مصالحة حقيقية ضمن المجتمع الأمريكي، ومعالجة المشكلة العنصرية معالجة جذرية، وعدم الاقتصار على حلول أقرب إلى الرتوش التزيينية..

حلول اقتصرت على النخب من دون القاعدة الجماهيرية الواسعة بين البيض و"السود"؛ كما كان في مقدوره مساعدة شعوب الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية على النهوض بعد التحرر من سيطرة الأنظمة الدكتاتورية الفاسد المفسدة التي تستنزف طاقات شعوبها، بل وتخرجها من مسار التاريخ العالمي.

ولكن أوباما لم ينجز شيئاً يستحق الذكر، ويمكن البناء عليه في هذا المجال.

هذا في حين أن الخطاب الشعبوي الذي اعتمده الرئيس دونالد ترامب وسيلة للوصول إلى البيت الأبيض، أسهم في تقوية التيارات والنزعات العنصرية، والقومية المتطرفة، سواء في الداخل الأمريكي أم على المستوى الدولي، سيما في أوروبا بقسميها الغربي والشرقي.

هل ستكون حركة مناهضة العنصرية الراهنة مقدمة لتحوّل فكري لصالح ترسيخ القيم الإنسانية المشتركة، والتركيز على قيمة الإنسان كإنسان بغض النظر عن دينه ومذهبه وقوميته وعرقه وجنسه وفكره؟ وهل سيتم التعامل مع البشر جميعاً على أنهم يمتلكون القيمة ذاتها التي لا بد وأن تُقدر وتُحترم؟

أم أنها صيغة من صيغ التطهّر من عقدة الذنب بهدف إراحة الضمير، صحوة سرعان ما ستتلاشى، لتعود الحسابات الاقتصادية، والمصالح العارية على مستوى الأفراد والجماعات والدول، هي الموجهة والمحددة للآراء والأفكار والممارسات؟

* عبد الباسط سيدا كاتب وأكاديمي سوري

المصدر | القدس العربي