الأحد 5 يوليو 2020 05:31 م

166 قتيلا، و167 جريحا، و1084 معتقلا، حصيلة الاحتجاجات العرقية التي ضربت إثيوبيا، الأيام الماضية، وسط إشارات رسمية إلى ضلوع مصري في افتعال ذلك.

ويحمل مقتل المغني الإثيوبي المعروف "هاشالو هونديسا"، برصاص مجهولين في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأسبوع الماضي، نذر تصعيد، بالتزامن مع مفاوضات "سد النهضة" المتنازع عليه مع مصر.

وتسببت وفاة "هونديسا"(سجين سياسي سابق) في تظاهرات في أديس أبابا وفي منطقة أوروميا أكبر الولايات الاتحادية الإثيوبية، وسط اعتقاد بأن اغتياله جرى لأسباب سياسية.

أصابع الاتهام

من المستفيد؟.. كان السؤال الحاضر في أذهان الإثيوبيين، وبالطبع كانت الإجابة كذلك حاضرة، بالإشارة إلى مصر، وتحميلها مسؤولية الاضطرابات الجارية في البلاد.

وبشكل صريح، اتهم "جيتاشيو بالتشا"، المتحدث باسم حكومة إقليم أورومو، الذي ينحدر منه "هونديسا"، مصر بالتورط في الاضطرابات التي اندلعت في العاصمة أديس أبابا.

وقال مسؤول في حكومة الإقليم، يدعى "إديسو أرجا"، إن هناك أدلة (لم يكشفها) تثبت تورط القاهرة في حشد المعارضين في الإقليم لخلق الفوضى، وذلك على خلفية أزمة سد النهضة.

وأضاف في تصريحات متلفزة لقناة "الجزيرة": "لإثيوبيا الحق في استخدام مواردها الطبيعية، ومصر تعمل على سلبها هذا الحق عبر القيام بتحركات مريبة، منها حشد وتجنيد المعارضين للحكومة في الإقليم بهدف خلق الفوضى ومواجهات مع الحكومة".

وعلى المنوال ذاته، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي "آبي أحمد علي"، جهات أجنبية (لم يسمها) ومحلية بالسعي لزعزعة استقرار بلاده ومنعها من إكمال "سد النهضة"، في تلميح إلى تورط مصر في ما جرى.

وقال "آبي أحمد" في كلمة بثها التليفزيون الحكومي "في الوقت الذي كان يجتمع فيه مجلس الأمن الدولي لبحث أزمة سد النهضة تمت عملية الاغتيال، وهي جريمة شاركت فيها قوى خارجية ونفذتها قوة محلية والهدف من ذلك منعنا من تكملة سد النهضة، ما يريده الأعداء وما يخططون له لن يتحقق".

انتخابات مؤجلة

لكن زاوية أخرى من المشهد السياسي في البلاد، قد تحمل تفسيرات لما حدث، في أعقاب تأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر إجراؤها في أغسطس/آب المقبل، بدعوى انتشار وباء "كورونا".

وتعد تلك الانتخابات أول اختبار انتخابي لرئيس الوزراء "آبي أحمد" بعد تسلمه مهام منصبه في أبريل/نيسان 2018.

ويشتكي "الأورومو"، وهم أكبر جماعة عرقية في إثيوبيا (38% من مجموع السكان)، من تعرضهم للتهميش على مدار عقود.

وتحمل أغاني "هونديسا" صبغة سياسية ثورية، كونها تركز على حقوق الأورومو، وتحولت إلى أناشيد وهتافات خلال الاحتجاجات التي أطاحت برئيس الوزراء السابق "هايلي مريام ديسالين"، في 2018.

ويقول معارضون إثيوبيون، إن اغتيال "هونديسا" جاء بعد انتقادات وجهها خلال مقابلة تليفزيونية لسياسات "آبي أحمد"، ما قد ينفي صلة مصر بعملية الاغتيال، التي لم يعرف دوافعها بعد.

ويرى أستاذ دراسات السلام والصراع في جامعة يوركنز بأوسلو، "كجيتيل ترونفول"، أن "رد فعل العامة على مقتل هاشالو يُظهر أنه كان يعتبر مدافعاً قوياً عن حقوق ومصالح شعب الأورومو".

ويتهم الأورومو، "أحمد" بأنه لم يبذل جهدا كافيا من أجل مجتمعه العرقي، ويشككون في جدارته كزعيم من الأورومو، ويقولون إنه عمل لصالح حزبه "الازدهار".

اعتقال "جوهر"

يعزز الانقسام الإثيوبي، وجود صراعات سياسية وانتخابية، سبق أن تسببت في اندلاع احتجاجات في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ومقتل 86 شخصا، تأييدا لقطب الإعلام "جوهر محمد"، المعارض لـ"أحمد".

ويدعو "جوار" (جرى اعتقاله قبل أيام) إلى منح المزيد من الحقوق للأورومو، وهو رئيس حزب المؤتمر الاتحادي لأورومو، المنافس الرئيسي لحزب "الازدهار" الذي يقوده "أحمد" وقد يكون اغتيال "هونديسا" ورقة ترفع أسهمه الانتخابية.

ويرى مراقبون أن اعتقال "جوار" يعد بالنسبة لشعب الأورومو محاولة للاستيلاء على الحزب المعارض، ومحاولة لتهميش المعارضة قبل الانتخابات.

وقطعت السلطات بث شبكة "Oromia Media Network (مملوكة لجوار)"، وهي شبكة إعلامية نافذة، ويعني وقفها إثارة غضب الأورومو.

ومن المتوقع أن تتسبب تلك التطورات في إعادة إحياء حركة الاحتجاج بين عامي 2014 و2018، لنيل المزيد من حقوق الحكم الذاتي، وإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان بحق شعب الأورومو.

ووفق رئيس مؤتمر الأورومو الفيدرالي، "ميريرا جودينا"، فإن احتجاز أولئك الأشخاص لن يفيد البلاد على الإطلاق في الظروف الحالية، ولن يساعد على إحلال السلام والاستقرار في البلاد.

محاولة انقلاب

وربما يحمل ظهور "آبي أحمد"، مرتديا الزي العسكري، إشارات إلى تعرض نظامه لمحاولة انقلاب، كانت تلك الاحتحاجات شرارة لها، ضمن مخطط للسيطرة على العاصمة أديس أبابا من قبل "مجموعة تنفذ أجندات خارجية"، وفق تعبيره.

وتعهد رئيس الوزراء الإثيوبي بعدم اقتصار المحاسبة على من أطلق الرصاص، "بل من موّل وحرض على ذلك من جهات خارجية ومحلية، عملت على نشر الفتنة بين الأديان والقوميات، حتى تعيش إثيوبيا حبيسة في مستنقع الفقر".

وفي يونيو/حزيران الماضي، شهدت إثيوبيا محاولة انقلاب في أمهرة، ثاني أكبر منطقة من حيث عدد السكان في البلاد، ما أسفر عن إصابة رئيس أركان الجيش الجنرال "سياري ميكونين"، لكنها باءت بالفشل.

ولم تقدم أديس أبابا إلى الآن أي أدلة على تورط نظام الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، في دعم الإضرابات الحاصلة ومحاولة الانقلاب في إثيوبيا، على خلفية أزمة "سد النهضة".

وكان التليفزيون الإثيوبي الحكومي، اتهم مصر صراحة بدعم "جبهة تحرير الأورومو" المعارضة المسلحة، وعرض لقطات قال إنها لاجتماع معارضين من الجبهة في القاهرة، أواخر 2016.

وتستضيف القاهرة قيادات "جبهة تحرير أورومو" كورقة ضغط في الصراع بين البلدين، الذي بلغ ذروته في الأشهر الأخيرة بسبب السد الذي يهدد حصة مصر في مياه نهر النيل.

ووفق وزير الاتصالات والتنمية المتكاملة الإثيوبي، "جيتاتشيو رضا"، فإن أقلية "الأورومو"، تفتعل هذه الاحتجاجات بسبب رفضهم لمشروع "سد النهضة" الذي تسبب في سحب مساحات كبيرة من أراضيهم في وقت سابق، دون تقديم أي تعويضات لهم.

ولا يمكن لأصابع الاتهام، غض الطرف عن إمكانية تورط المافيا التي تسمى نفسها "أبا توربي" (تنشط في الجزء الغربي من ولاية أوروميا)، الذين اعتقلت السطات 15 من عناصرها، ديسمبر/كانون الأول 2018، لتورطهم في اغتيال ضباط ومسؤولين في البلاد.

تبقى كل الاحتمالات واردة، ما بين احتقان سياسي، وصراعات انتخابية في الداخل، ودور خارجي في تأجيج الأحداث بفعل تدخلات مصرية سرية عبر دعم حركات مناوئة لحكومة أديس أبابا، أملا في تحقيق اختراق يحقق ما تصبو إليه مصر في أزمة سد النهضة.

المصدر | الخليج الجديد