الثلاثاء 7 يوليو 2020 04:01 م

في 23 يونيو/حزيران، تم اختطاف الناشطة البارزة في مجال حقوق الإنسان "سناء سيف"، أمام مكتب النائب العام في القاهرة، على أيدي ضباط شرطة يرتدون ملابس مدنية. كانت "سناء" حاضرة للإبلاغ عن اعتداء عنيف عانت منه في الليلة السابقة، حين كانت معتصمة أمام سجن طره مع والدتها وشقيقتها، للمطالبة بتلقي رسالة من شقيقها "علاء عبد الفتاح"، وهو مدون بارز محتجز في السجن منذ سبتمبر/أيلول 2019.

تم اتهام "سناء" بـ"الانضمام إلى منظمة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، والتحريض على الاحتجاجات والأنشطة الإرهابية، فضلاً عن إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي". لكن في حين أن اعتقالها لا يعد ظاهرة جديدة في حد ذاته، فإن التواطؤ المباشر للنائب العام، وهو سلطة قضائية مستقلة، يعد أمرا جديدا، وهو مؤشر خطير على التغييرات الهيكلية التي تخوضها الدولة المصرية.

فمنذ انقلاب عام 2013، كانت هناك عملية تغيير هيكلي داخل الدولة؛ حيث سقطت المؤسسات المدنية تحت سيطرة الأجهزة الأمنية. ويتجاوز هذا التحول التغيرات في الأفراد؛ فبدلاً من ذلك، فإنه يعد تغيرا في طريقة عمل الدولة، بطريقة اختزلت وظائفها في أمرين فقط هما قمع جميع أشكال المعارضة، وتخصيص الأموال العامة لإثراء النخب العسكرية.

  • تغييرات هيكلية

تعد قضية الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار "هشام جنينة"، الذي يقضي حاليا عقوبة بالسجن لمدة 5 سنوات بسبب نشر معلومات تضر بالجيش، مثالا على هذا التحول. وبدأت ملحمة "جنينة" عام 2015، عندما صرح علنًا بأن فساد الدولة الشامل كلف البلاد حوالي 67.5 مليار دولار في 3 سنوات. وردا على هذه التصريحات، صدر قانون أعطى الرئيس سلطة إقالة رؤساء هيئات الرقابة الحكومية، في خطوة يعتبرها العديد من الخبراء القانونيين غير دستورية. ونص القانون على جواز عزل رؤساء هيئات الرقابة الحكومية لأسباب غامضة، مثل "فقدان الثقة" أو "الإضرار بالمصالح الوطنية". وبسرعة شديدة، تم استخدام القانون لعزل "جنينة" من منصبه والزج به في السجن.

وللمفارقة، تسير جهود تقويض استقلالية هيئات الرقابة الحكومية جنبا إلى جنب مع توسيع دور الجيش في الاقتصاد. ومع التوسع المباشر في الأنشطة الاقتصادية للجيش في مجالات متعددة تتراوح من المنتجات الاستهلاكية إلى الإنشاءات، تطور الجيش إلى فاعل اقتصادي مستقل، وجرى سن مجموعة كبيرة من القوانين واللوائح منحت المؤسسة العسكرية القدرة على التأثير على سياسات الحكومة، وأعطتها صلاحية التحكم في النشاط الاقتصادي وإثراء النخب العسكرية من خلال تخصيص الأموال العامة.

على سبيل المثال، في عام 2017، تم قصر اختصاص هيئة الرقابة الإدارية، وهي وكالة التدقيق الرئيسية في مصر، على القطاع المدني، رغم أن أنشطة المراجعة الخاصة بالتدخل العسكري في الاقتصاد كانت غائبة فعليًا. وجعل نفس القانون هيئة الرقابة الإدارية مسؤولة أمام الرئيس. وسبق ذلك مرسوم رئاسي في عام 2014 حظر اعتراض أي طرف على صلاحية الدولة في منح العقود الحكومية. وصاحب هذه التغييرات في الإطار القانوني التوسع في استخدام نظام الإسناد المباشر بدلاً من استخدام العطاءات التنافسية؛ فمُنحت معظم العقود الحكومية مباشرة إلى الجيش. وتراوحت قائمة المشاريع الممنوحة للجيش من مشاريع تجديد الأحياء الفقيرة، الممولة من قبل الوكالات الدولية، إلى صيانة الطرق والإسكان وبناء المدن الجديدة.

وكما هو متوقع، لا يخلو هذا النظام من حالات فساد صريحة. على سبيل المثال، يُعتقد أن الجيش يفرض ضريبة غير رسمية على عائدات قناة السويس. ومن ثم، يبدو أن وظيفة الدولة قد تحولت إلى مجرد ناقل للأموال والأصول من الملكية العامة إلى جيوب الجيش.

  • شركاء القمع

بالتزامن مع ذلك، تتسارع وتيرة تحول آخر لا يقل خطورة في بنية الدولة المصرية، ألا وهو تسييس القضاء، وإعادة توظيفه كشريك في قمع الدولة المباشر. ويعد هذا النهج انقلابا على أحد أهم السمات الأساسية للدولة الحديثة، وهو الفصل بين السلطات واستقلال القضاء. ومنذ انقلاب عام 2013، لعب القضاء المصري دورًا محوريًا في قمع الدولة، من خلال المحاكمات الجماعية التي تفتقر إلى الإجراءات القانونية الواجبة، وأحكام الإعدام الجماعية والمحاكمات صورية لأعضاء بارزين في "جماعة الإخوان المسلمين"، وأبرزها محاكمة الرئيس السابق "محمد مرسي" بتهمة التجسس.

ومع ذلك، لم تكن مشاركة السلطة القضائية في القمع كافية للنظام. ونتيجة لذلك، أقر النظام في عام 2019 تعديلات دستورية موسعة شملت عددا من المواد قضت على استقلالية القضاء، وعززت سلطة الرئاسة على الجهاز القضائي. وبموجب التعديلات، تم إعطاء الرئيس سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية المختلفة، كما تم إلغاء الموازنة المستقلة للقضاء.

وأخيرًا، تم تعديل العلاقة بين الدولة والمؤسسة العسكرية في مصر. وكجزء من التعديلات الدستورية السابق الإشارة إليها، تم وضع مادة مثيرة للجدل أعادت تعريف دور الجيش كحارس للدولة "يضطلع بمهام "حماية الدستور والديمقراطية والدولة وطبيعتها المدنية". وبالتالي، فإن هذه التعديلات وضعت الجيش فعليا فوق الدولة، وفتحت الطريق أمام التدخل العسكري من أجل حماية الطبيعة "المدنية" للحكم. ويقدم هذا النهج مفهوما جديدا للسيادة؛ حيث تنتقل السلطة من الممثلين المنتخبين، إلى الجيش بصفته حارس الدولة. إضافة إلى ذلك، في يوليو/تموز 2018، وافق البرلمان المصري على قانون معاملة بعض كبار ضباط القوات المسلحة، الذي جرى بموجبه منح الحصانة لكبار ضباط الجيش المتهمين بالقمع الجماعي أو الفساد المالي، ما أضاف طبقة أخرى من الحماية على قيادات القوات المسلحة.

إضافة إلى إطلاق حملة قمع واسعة النطاق ضد المعارضة والأحزاب السياسية، أعاد النظام هيكلة جهاز الدولة بطريقة أثرت سلبيا على طبيعة الدولة. وبعبارة أخرى، تم تحويل الدولة بشكل عملي إلى تابع للمؤسسة العسكرية، وتم إلغاء دورها الكلاسيكي كوسيط في النزاعات الاجتماعية، وتحويلها إلى أداة قمع حادة، ووسيلة لتعزيز الرأسمالية العسكرية، من خلال الاستيلاء على الأموال العامة.

هناك عواقب عديدة لهذه التغييرات؛ أولها أنها جعلت تغيير النظام عملية صعبة للغاية، حيث تتركز كل السلطة في أيدي الجيش والرئيس، بطريقة لا تسمح بظهور مراكز منافسة للسلطة، ناهيك عن قيامها بتعزيز نفوذ عدد من المؤسسات الأمنية القوية التي تستفيد بشكل مباشر من القمع المستمر، مما يجعل من الصعب عكس هذا المسار. ثانيًا، والأهم من ذلك، أنها جعلت الإصلاح الكامل لجهاز الدولة الحالي أمرا حتميا لأي تحول ديمقراطي، وهذا لن ينطوي فقط على تغيير جذري في علاقة الجيش بالدولة، لكن إعادة هيكلة كاملة لجهاز الدولة نفسه، وتحويله إلى أداة لتحقيق الإرادة الشعبية.

وأخيرا، يتطلب دور الدولة في الاقتصاد أيضا إصلاحا شاملا. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تغيير هيكلي في الاقتصاد المصري، بعيدا عن النموذج الذي يعتمد على تخصيص الأموال العامة لإثراء النخب النافذة، إلى نموذج يعتمد على تطوير قاعدة اقتصادية مستدامة تهدف إلى دعم التطلعات الديمقراطية للشعب المصري.

المصدر | ماجد مندور/أوبن ديموكراسي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد