تستعد تركيا لجني ثمار تحركها الاستراتيجي في ليبيا؛ لأن دعمها لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس، المعترف بها دوليا، يضعها على رأس القائمة لتقديم عطاءات لعقود بمليارات الدولارات. 

وزار مندوبون للرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، طرابلس في وقت سابق من الشهر الجاري، والتقوا بمسؤولين في حكومة الوفاق لمناقشة التعاون في البناء والطاقة وقطاع المصارف.

ويقول رجال الأعمال الأتراك، إنهم يتطلعون للعب دور رئيسي في إعادة بناء الدولة الغنية بالنفط.

لقد ساعد الدعم التركي حكومة الوفاق في رد الهجوم على طرابلس، الذي استمر 14 شهرا، من قبل قوات شرق ليبيا، بقيادة "خليفة حفتر"، وهو ما ساعد أنقرة على كسب ثقة حكومة الوفاق الوطني برئاسة "فايز السراج".

وقال "أنس القماطي" مدير "معهد صادق للدراسات"، أول مركز أبحاث في ليبيا، إن "الدعم التركي أعطى قوة لحكومة الوفاق الوطني عندما كانت في أضعف حالاتها، وأعتقد أن العديد من أعضاء حكومة الوفاق حريصون على رد هذا الجميل ويبحثون عن شركاء يمكنهم إقامة علاقة استراتيجية معهم".

وأضاف "القماطي"، أن "حكومة الوفاق الوطني تتطلع إلى تركيا لبناء أكثر من مجرد علاقة سياسية أو تجارية.. إنهم (في الوفاق) يبحثون عن علاقة استراتيجية، وتركيا ستكون على الأرجح في مقدمة الطابور عندما تبدأ ليبيا في إعادة البناء".

وبدأ المقاولون الأتراك العمل لأول مرة في ليبيا عام 1972.

وحسب "مدحت ينيغون"، رئيس اتحاد المقاولين الأتراك، فإن الشركات التركية تتمتع بميزة في البلاد لكونها لاعبا رئيسيا في ليبيا قبل نشوب الحرب.

ومنذ عام 1972، وقعت الشركات التركية عقودًا بقيمة 40 مليار دولار في قطاع البناء في ليبيا، ومن المرجح أن يرتفع الرقم في المستقبل، بحسب "ينيغون"، الذي قال: "هناك حالة خراب في ليبيا للأسف، وستكون هناك فرصة لصفقات كبيرة في قطاع البناء في البلاد. أقدرها بحوالي 50 مليار دولار".

وقال "كريم ميزران"، من المجلس الأطلسي بواشنطن، إنه بفضل سجلها الحافل في البلد الذي مزقته الحرب، فإن تركيا في وضع جيد يمكنها من الفوز بعقود في قطاع البناء، مضيفا أن شركات البناء التركية "تحظى بتقدير كبير" في ليبيا من قبل عام 2011.

وأضاف "ميزران": "كل واحد في ليبيا مستعد للعمل مع الشركات التركية مع التأكيد على عدم وجود احتكار.. وهذا ما يحاول الليبيون توضيحه".

وتابع: "يبدو أن الأتراك على علم بذلك ويبدو أنهم يقبلونه". لكنه أضاف أن أي تعاون مستقبلي في القطاع المصرفي قد يثبت أنه صعب؛ لأن قانون المصارف الليبي يمنع البنوك الأجنبية من العمل "بحرية وفعالية".

ومن المتوقع أن تعطي المكافآت في ليبيا دفعة للاقتصاد التركي، هو في أمس الحاجة إليها، في الوقت الذي يتوقع فيه أن يشهد أول انكماش سنوي له منذ أكثر من عقد؛ بسبب جائحة فيروس كورونا.

وتكافح البلاد تضخما مزدوجا، يتمثل في بطالة مرتفعة وليرة تركية ضعيفة، انخفضت إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار خلال الجائحة.

وتسعى تركيا إلى الخروج من مشاكلها الاقتصادية من خلال اللجوء إلى الحلفاء الأجانب لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي المستنفدة بسرعة.

وتجري محادثات مع دول مثل اليابان والمملكة المتحدة لإنشاء خطوط مبادلة للعملة.

لقد تقدمت ليبيا للمساعدة، فقد أفادت قناة "العربية" الخميس الماضي، أن محافظ مصرف ليبيا المركزي، الصديق عمر الكبير، أودع 8 مليارات دولار في البنك المركزي التركي لمدة 4 سنوات دون فائدة للمساعدة في تحقيق الاستقرار لليرة التركية.

وسيحقق الاقتصاد التركي دفعة إضافية بمجرد أن تبدأ الشركات التركية العمل في ليبيا، وفقا "لـينيغون"، الذي قال: "سيفيد (الاقتصاد التركي) بشكل كبير. وعندما نفوز بالعقود، ستتاح لنا الفرصة لتصدير المواد.. ستذهب الشركات الاستشارية إلى هناك لدراسة المشاريع قبل المقاولين.. وستتاح لنا الفرصة لاستخدام المواد التركية. وسيساعد في تعزيز احتياطياتنا من النقد الأجنبي".

وأضاف "ينيغون"، أن المقاولين الأتراك ينتظرون وقفا لإطلاق النار وتحسن الوضع الأمني في ليبيا حتى يتمكنوا من العودة إلى البلاد، مضيفا أن الليبيين منحوا بالفعل عقودا لشركات تركية في الشهر الماضي لبناء خمسة آلاف منزل سابق التجهيز.

وأثرت الحرب الأهلية المستمرة منذ سنوات على قطاع الطاقة في ليبيا، مما أدى إلى شلِّ شبكة الإمداد بالطاقة.

وتحرص تركيا على التعاون مع الدولة الغنية بالنفط حيث تسعى طرابلس لإحياء هذا القطاع.

وقال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي "فاتح دونميز"، الأسبوع الماضي، إن أنقرة التي تتطلع إلى خفض وارداتها من الطاقة تراجع فرص التعاون مع ليبيا في مجال التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي.

وأضاف "دونميز"، أن واردات تركيا من الطاقة تكلف 40 مليار دولار سنويا، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم عجز حسابها الجاري.

وتابع الوزير التركي: "نخطط للعمل مع شركة النفط الوطنية الليبية. وربما ستكون هناك شركات نفط دولية يمكننا العمل معها في نفس الوقت، وسوف نرى".

لقد توسع التعاون بين تركيا وليبيا منذ العام الماضي، بعدما وقعتا اتفاقا بحريا لإعادة ترسيم حدود مياههما الإقليمية في البحر المتوسط في نوفمبر/تشرين الثاني.

وأعقب الاتفاق صفقة عسكرية، حيث أرسلت تركيا معدات عسكرية وخبراء إلى حكومة الوفاق الوطني لدعم قتالها ضد قوات "حفتر"، المدعوم من روسيا والإمارات ومصر.

وتقدمت شركة النفط الوطنية التركية للبترول (TPAO) بطلب للحصول على تصاريح للتنقيب عن الغاز في مايو/أيار لمواقع داخل المياه الإقليمية المعاد تحديدها حاليا في البلاد، مما أدى إلى تصاعد التوترات مع قبرص واليونان بسبب انتهاكات المناطق الاقتصادية الحصرية المعترف بها دوليا.

وفي حديثه عن آفاق تركيا في الفوز بعقود الاستكشاف والامتيازات، قال "أنس القماطي"، مدير معهد صادق للدراسات: "أنا متأكد من أنه سيكون هناك قدر من الدفع السياسي.. وهذه مسألة يجب أن تضعها في الاعتبار شركة النفط الوطنية الليبية، وهي عادة لا تتخذ قرارات تستند إلى المحسوبية السياسية".

وأضاف: "لكن على أساس الدراية الفنية والجدوى الاقتصادية".

لكنه تابع أن الشركات التركية "لديها ميزة" عندما يتعلق الأمر بالإنتاج وتقديم الخدمات.

وبعد زيارة الوفد التركي إلى طرابلس، أعلنت شركة تشغيل الطاقة التركية كارادينيز القابضة، أنها تستعد لتقديم إمدادات تصل إلى 1000 ميغاوات من الكهرباء إلى ليبيا، وستقدمها قريبا.

"ليبيا تريد أن ترى مجتمع الأعمال التركي إلى جانبها، والعملية التي بدأت في إنتاج الطاقة مرضية والجهود التي تبذلها الشركات التركية لحل أزمة الطاقة في ليبيا وسد فجوة الطاقة ستسهم بشكل كبير في ثقافة العمل المشترك"، حسبما صرح "مرتضى كارانفيل"، رئيس مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية (DEIK)، مجلس الأعمال التركي الليبي.

وأضاف "كارانفيل" أنه يتوقع توسيع التعاون في قطاع الطاقة ليشمل مجالات أخرى.

وأفاد "كارانفيل"، بأنه قبل أزمة فيروس "كورونا"، دعت المنطقة الحرة في مصراتة الليبية وغرفة التجارة والصناعة والزراعة في مصراتة رجال الأعمال الأتراك من أجل فرص الاستثمار، مضيفا أن تجار الألومينيوم والتجزئة والأدوية والأثاث وشركات تكنولوجيا المعلومات ومشغلي الموانئ ومنتجي الألبان كانوا من بين المدعوين.

وقال "كارانفيل": "بسبب الوباء، توقفت الأمور، لكننا نتوقع استئناف العملية قريباً".

وتابع أن تركيا صدّرت العام الماضي إلى ليبيا سلعًا قيمتها 1.9 مليار دولار تتراوح بين الخضار والفواكه الطازجة والمواد الكيميائية وأغذية الأطفال.  

المصدر | دوتشيه فيليه