الثلاثاء 7 يوليو 2020 07:47 ص

ليبيا في لجة "نظام دولي" متضعضع تماما

انقلبت واشنطن على حفتر لأنه تجاوز خطّها الأحمر بإقحامه روسيا إلى الصراع.

قوى دولية تريد للأمم المتحدة الإشراف على حلّ الصراع لكن تدخّلاتها أفشلت هذا الدور فعدم التوافق الدولي حافز دائم لعدم توافق داخلي.

المبعوث الأممي «طُعن في الظهر» من غالبية دول مجلس الأمن بـ«دعمها» الهجوم على طرابلس وبـ«تآمرها» لمنع انعقاد مؤتمر غدامس.

*     *     *

 لفت المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا غسان سلامة، بعد صمت أربعة أشهر منذ استقالته، إلى أن هذه الاستقالة كانت قرارًا متأخرًا. هو لم يقل ذلك، لكن تركيزه على الإحباط الذي سبّبه هجوم خليفة حفتر على طرابلس في الرابع من أبريل 2019 يفسّر تخلّيه عن مهمته.

والأرجح أنه تأخّر في إعلانه فقط لتجريب فرصة أخيرة بناءً على إلحاح وتمنٍّ من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بعدما انخرطت دول عديدة في اتصالات هدفها وقف إطلاق النار ومحاولة إحياء العملية التفاوضية.

ثم لاحت المبادرة الألمانية التي تميّزت بقدر مهم من الجدّية، فراح سلامة يراهن عليها، رغم المماطلة والعراقيل التي فُرضت عليها، وكان له دور رئيسي في صوغ قرارات «مؤتمر برلين» الذي تبنّى خطّته للمسارات الثلاثة؛ العسكرية والسياسية والاقتصادية.

قبل أقل من أسبوع على الهجوم على طرابلس كان المبعوث الأممي بالغ التفاؤل، خلال وجوده في تونس؛ إذ عُقد على هامش القمة العربية آنذاك (أواخر مارس 2019) اجتماع أممي - أوروبي - عربي، لمناقشة تطوّرات الأزمة الليبية وساده جوّ تفاؤلي أيضاً بأن المؤتمر الوطني الجامع الذي يمكن أن ينعقد في مدينة غدامس في غضون أسابيع قليلة.

كان مردّ هذا التفاؤل إلى أن المبعوث الأممي سلامة استطاع قبل ذلك أن يجمع حفتر ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج في أبوظبي، وأن يحصل على توافقهما على خطوط عريضة متقدّمة لكيفية تقاسم السلطة.

بدا ذلك تتويجًا لجهود أممية استمرت نحو عامين، كما بدت الطريق إلى مؤتمر غدامس ممهّدة، خصوصاً أن سلامة لم يكن يسمع سوى عبارات الدعم والتشجيع، لكنه يقول الآن إنه «طُعن في الظهر» من غالبية دول مجلس الأمن ومواقفها ليس فقط بـ«دعمها» الهجوم على طرابلس، بل أيضاً بـ«تآمرها» لمنع انعقاد مؤتمر غدامس.

بين ذلك الهجوم و«مؤتمر برلين»، تغيّرت المواقف الدولية. انقلبت واشنطن على حفتر لأنه تجاوز خطّها الأحمر بإقحامه روسيا إلى الصراع.

وتخلّى الموقف الأميركي عن الغموض، سواء باستقبال وفد من طرابلس، ثَمّ بموافقة ضمنية على التدخّل التركي بناءً على اتفاق مع حكومة السراج، ومع الغطاء الأميركي توفّر عملياً غطاء أطلسي.

ما هي إلا أسابيع حتى تغيّرت موازين القوى وتبدّلت المعادلة الميدانية، إلى أن بلغت خط سرت-الجفرة الذي بات تماساً يعتبر الجميع أنه ربما يحسّن التوقف عنده لئلا يستدعي الصراع تدخّلاً روسياً أوسع وتدخّلاً مصرياً مباشراً واحتمال تدخّل أطلسي صريح يتجاوز الدور التركي.

الأهم في هذه المرحلة أن الصراع بات دولياً بحتاً، ولو بأدوات محلية واتهامات متبادلة باستقدام مرتزقة. خط سرت-الجفرة «الأحمر» يمتحن حالياً مقولة أن الحل في ليبيا «سياسي وليس عسكرياً».

فـ«العسكري» يعكس الانقسامات الدولية القائمة والمستمرّة، سواء حُسم أم لم يُحسم، أما «السياسي» فيفترض توافقاً دولياً ليس متاحاً ولن يكون. وبالتالي فإن ما طمح إليه كل مبعوث دولي، وليس غسان سلامة وحده، لم ولن يتوفّر لإنجاح أي مسعى أممي.

في انتظار اتضاح وجهة المرحلة التالية، يتأخّر تعيين مبعوث جديد لئلا يغرق في النظام الدولي «المتضعضع تماماً»، كما وصفه سلامة.

فالقوى الدولية تريد للأمم المتحدة أن تشرف على حلّ الصراع لكن تدخّلاتها أفشلت هذا الدور، فعدم التوافق الدولي حافز دائم لعدم التوافق الداخلي.

* عبد الوهاب بدرخان كاتب صحفي لبناني

المصدر | العرب القطرية