الثلاثاء 7 يوليو 2020 05:12 م

"على العالم ترقب الأسوأ".. بهذه الكلمات وجه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية "تيدروس أدانوم غيبريسوس" تحذيرا شديد اللهجة في 29 يونيو/حزيران الماضي، بعدما بدا العالم أكثر تحررا من القيود التى تم فرضها بداية لمواجهة الوباء ليقترب تعداد الإصابات من 12 مليونا؛ منها نحو 550 ألف وفاة.

فبين أواخر ديسمبر/كانون الأول 2019، عندما أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية للمرة الأولى بظهور إصابات بكورونا في مدينة ووهان (وسط)، وأواخر يونيو/حزيران، يكون قد مضى 6 أشهر على بدء انتشار الفيروس، الذي لا يزال عدوا مجهولا للعلماء، الأمر الذي يعيق جهود التوصل إلى علاج أو لقاح فعال له.

ومن المليون الأول في تعداد الإصابات إلى الثاني، في الـ15 من أبريل/نيسان، ثم الثالث في الـ28 من أبريل/نيسان، بدت غالبية شوارع وميادين دول العالم في شهري أبريل ومايو/أيار خاوية على عروشها، بينما كانت المختبرات والمعامل تزداد حيرتها وعجزها أمام فك طلاسم "الفيروس القاتل".

في البداية، حاولت بكين -على ما يبدو- إخفاء قرائن انتقال الفيروس للبشر عبر أحد الحيوانات الفقارية، لكن حتى بعد إبلاغها "الصحة العالمية" وحتى اليوم فشل العلماء في الوصول إلى معرفة يقينية بشأن أين ومتى انتقل الفيروس من الحيوانات إلى البشر.

لكن علماء الفيروسات الصينيين تمكنوا من فك شيفرة المعلومات الوراثية للفيروس في وقت قياسي؛ إذ نشروا في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، بنية الجينوم الخاصة بالفيروس، وبعد 3 أيام قدموا وصفا دقيقا له.

وحسب هذا الوصف، فإن فيروس كورونا المستجد يختلف عن فيروسات كورونا الأخرى بنسبة 4%؛ ما يعني حدوث تحور له في مرحلة من مراحل انتقاله للإنسان، وهي الحلقة المفقودة التي لم يصل لها العلماء حتى اليوم.

فحتى في حالة إصابة بعض الحيوانات الأليفة مثل القطط في بيوت البشر، فإنها لا تلعب دورا يمكن إثباته في سلاسل العدوى، حسب دراسة أجريت في هاينسبرج بألمانيا.

وثبت من الدراسة ذاتها أن الفيروس يلتصق بشكل خاص في منطقة الحلق والرئتين، وأن أكثر مسببات العدوى خطورة، إلى جانب العدوى المباشرة من أسطح ملوثة بالفيروس، هي "الرذاذ الجوي".

لذا صنفت دوريات علمية ذائعة الصيت، منها "ذي لانسيت"، كورونا بأنه "أحد أشرس الفيروسات التي شهدها العالم في تاريخه الحديث".

  • الصحة والاقتصاد  

ويشبه البعض الفيروس في خطورته بفيروس الإنفلونزا الإسبانية القاتلة الذي اجتاح العالم عام 1918.

وضمن ما يحير العلماء، أيضا، أن بعض المصابين بكورونا لا يشعرون بأية أعراض، وهو لغز آخر لم تقدم له البحوث إجابة حتى اليوم.

ما استطاع علماء الأمراض الذين فحصوا ضحايا الفيروس تأكيده فقط هو أن ارتفاع ضغط الدم وأمراض السكري والسرطان والفشل الكلوي وتليف الكبد وأمراض القلب والأوعية الدموية من أخطر الأمراض التي تؤثر على قدرة مصاب كورونا على مقاومة أعراضه.

وبينما تبدو الأشكال الخفيفة من الإصابة بالفيروس كنزلة برد مصحوبة بآلام بالحلق ومشاكل في التنفس وفقدان لحاسة الشم والتذوق، يمكن أن تؤدي الأشكال القوية إلى مرض متعدد الأعراض يهدد حياة المصاب.

وغالبا ما يؤدي ذلك إلى حالة "تعفن بالدم"، نتيجة لرد الفعل المبالغ فيه للجهاز المناعي، الذي يهاجم أنسجة وأعضاء الجسم، وهي مميتة في كثير من الأحيان.

وتراجع أطباء العناية المركزة عن عمليات التنفس الصناعي المعتادة للمصابين؛ لأن الأطباء المختصين بأمراض الرئتين أدركوا أن التنفس الصناعي في ظل ضغط مرتفع في الرئتين يمكن أن يضر أكثر من أن يساعد.

  • عدم يقين اقتصادي

وإزاء استمرار هذا الغموض، لا يزال بلايين البشر بحالة من "عدم اليقين" الاقتصادي، خاصة بعدما اضطر أكثر من ثلثي سكّان الأرض للالتزام بـ"حجر صحي إجباري"، كان الأكبر في التاريخ.

وبعدما تجاوزت الإصابات بالوباء عتبة المئة ألف الثانية في 18 مارس/آذار الماضي تصاعد القلق الاقتصادي دوليا، وبدأت التحذيرات من تداعيات الفيروس الاقتصادية، وسط توقعات بركود أسوأ من ذاك الذي حدث بعد الأزمة المالية عام 2008، حسب توصيف صندوق النقد الدولي.

 وبدأت حسابات الدول تتبدى في إمكانية الموازنة بين الحماية من المرض والحفاظ على الاقتصاد على وقع الخسائر "غير المسبوقة".

وحول ذلك، قال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، في دراسة تحليلية: "الصدمة التي تسبب بها كورونا ستؤدي إلى ركود ببعض الدول، وستخفّض النمو السنوي العالمي إلى أقل من 2%، ما قد يكلف نحو تريليون دولار، ودخول الاقتصاد العالمي عتبة الركود".

وفي هذا الإطار، بدأت أوروبا تخطو بحذر نحو التحرر التدريجي المشروط من قيود الحجر الصحي منذ أوائل مايو/أيار الماضي.

وسرعان ما تبعها بلدان أخرى حول العالم، بينما كان عدّاد الوباء يواصل حصد ضحاياه، مسجلا في الـ15من الشهر ذاته أكثر من 4.5 ملايين إصابة.

وأمام معدل تسارع الإصابات، ثمة مخاوف من الاضطرار إلى العودة إلى الإغلاق الاقتصادي مرة أخرى لتجنب كارثة صحية في ظل استمرار غياب علاج أو لقاح معتمد للفيروس.

  • علاج أم لقاح؟

ويعد عقار "ريمديسيفير" الدواء الصيدلاني الوحيد الذي تم تحديده لتقصير مسار الإصابة بكورونا حتى اليوم.

ولهذا يجري داخل الأسواق سباق محموم للحصول عليه، لكنه لا يمثل علاجا، ولا يحسن فرصه حالات الإصابة الصعبة في البقاء على قيد الحياة.

بل يساهم فقط في اختصار عملية الشفاء لبضعة أيام في حالة تلقي المرضى للأكسجين.

ويحاول الأطباء أيضا استخدام أدوية أخرى متواجدة بالفعل في السوق، وتشمل هذه الأدوية "ديكساميثازون"، وهو عقار مضاد للالتهابات، وكذلك عقار "أفيغان" المضاد للفيروسات، ودواء الملاريا "هيدروكسيل كلوروكوين"، لكن لم يتم إثبات فعالية وسلامة أول عقارين بشكل قاطع حتى الآن، وهناك شكوك قوية حول الدواء الثالث.

ويعد اللقاح هو المخرج الوحيد إذن من كورونا، وحاليا يوجد أكثر من 200 لقاح قيد التطوير والبحث، وصلت 20 منها للمراحل السريرية.

ومن أبرز محاولات إنتاج لقاح تلك التي أجرتها جامعة أكسفورد البريطانية، التي اعتمد فيها العلماء على توظيف تقنية استخدموها ضد فيروسات سابقة.

إضافة إلى محاولة المعهد الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية، الذي أعلن أن لقاح كورونا ربما يتوافر في حدود نهاية العام الحالي.

ورغم ذلك، لا يزال الحكم على نجاح تجارب اللقاحات على حيوانات المختبرات في مراحله المبكرة.

 ويأمل أكثر المتفائلين أن يكون هناك لقاح صالح للاستخدام بالسوق في حدود الفترة التي أعلنها المعهد الأمريكي، فيما يتحدث آخرون عن العام المقبل.

وإذا تمت الموافقة على اللقاح، فإن ضخامة إنتاجه المطلوب عالميا ستمثل تحديا آخر.

كما أن العلماء لم يحددوا حتى الآن كم المدة التي سيتحصن الإنسان فيها من الفيروس وهل سيحتاج إلى جرعات سنوية أو فصلية من أجل الحماية منه.

((4))

المصدر | الخليج الجديد + متابعات