مثل العديد من الأماكن في جميع أنحاء العالم، غيّر وباء كورونا والانكماش الاقتصادي المرتبط به النقاشات حول أمن الخليج، خاصة بعد الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة التي تعهدت لعقود بحماية الملكيات الغنية بالطاقة ضد إيران.

وأصبحت علاقات السعودية مع الغرب موضع تساؤل بشكل متزايد، ومن المحتمل أن تكون حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا في مارس/آذار هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

وستفقد المملكة والإمارات على الأقل بعضا من النفوذ المالي الذي سمح لهما بلعب دور أكبر من وزنهما، حتى وإن كان من المحتمل أن يتم استثناء شراء الأسلحة من تدابير التقشف الخاصة الخاصة بالبلدين.

ويأتي هذا الانهيار في النفوذ المالي الخليجي في وقت تستعد فيه دول الخليج وإيران لسباق تسلح في أعقاب إطلاق القمر الصناعي الإيراني الأخير، وكشف طهران النقاب عن مركبة غير مأهولة تحت الماء.

وتضع المركبة غير المأهولة تحت الماء إيران في نادٍ يضم نخبة عالمية قليلة، تضم فقط الولايات المتحدة وبريطانيا والصين.

ويضيف القمر الصناعي إيران إلى مجموعة تضم نحو 12 دولة قادرة على القيام بعمليات إطلاق لأقمار عسكرية خاصة بها.

ولأعوام طويلة، اعتبرت دول الخليج الولايات المتحدة خيارها الوحيد، ولم تكن مستعدة لتغيير سياساتها، خاصة تجاه إيران.

لكن الولايات المتحدة أثبتت أنها حليف لا يمكن الوثوق به، وأكدت أنها لم تعد راغبة في الدفاع عن دول الخليج بلا مقابل.

وتتمثل مشكلة دول الخليج في أنه لا روسيا ولا الصين تقدمان بدائل حقيقية، على الأقل ليس بشروط يمكن أن تقبلها جميع الدول الخليجية.

ولا تهتم روسيا بأخذ مكان الولايات المتحدة، ولا تمتلك القدرة على ذلك، ناهيك عن كون خططها الأمنية في الخليج تتعارض مع سياسات السعودية.

وتدعو الخطة الروسية إلى ترتيب أمني خليجي جديد على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وسيشمل الترتيب الروسي إيران بكل تأكيد ولن يكون موجها ضدها، ومن المرجح أن يضم نوعا من الاتفاق الإقليمي حول عدم الاعتداء.

وأوضحت السعودية، بقيادة ولي العهد "محمد بن سلمان"، أنها غير مهتمة بالتواصل مع إيران حتى ولو عن طريق المساعدة الإنسانية، كما فعلت بعض دول الخليج خلال الوباء، بالرغم من أنها فتحت قنوات اتصال غير مباشرة مع إيران العام الماضي. ولكن هذه القنوات تم إغلاقها في أعقاب مقتل الجنرال الإيراني "قاسم سليماني" في يناير/كانون الثاني.

معضلة الصين

في المقابل، يبقى الحضور الصيني في منطقة الخليج معقدا بشكل ما.

ومن الناحية الظاهرية، تقع الصين ودول الخليج في نفس القارب المتشكك بشأن الترتيبات الأمنية الإقليمية الحالية. ومثل دول الخليج، اعتمدت الصين منذ فترة طويلة على مظلة الدفاع الأمريكية لضمان تدفق الطاقة والسلع الأخرى عبر المياه المحيطة بالخليج.

وتحسبا لليوم الذي لن تعود فيه الصين قادرة على الاعتماد على الأمن الذي توفره الولايات المتحدة، عدلت الصين تدريجيا استراتيجيتها الدفاعية، وبنت أول منشأة عسكرية أجنبية في جيبوتي، وهي قاعدة تواجه الخليج من ناحية القرن الأفريقي.

ومع تكليف البحرية التابعة لجيش التحرير الشعبي بحماية خطوط الاتصال البحرية الصينية وحماية مصالح البلاد في الخارج، أشار المخططون الاستراتيجيون إلى أن جيبوتي هي الخطوة الأولى في سلسلة قواعد أخرى تخطط الصين لبنائها بهدف إبراز نفوذها.

ولكن كما هو الحال مع الروس، ربما تتباين وجهات النظر بين المخططين الاستراتيجيين الصينيين ونظرائهم في الخليج حول شكل أي نظام أمني إقليمي جديد، خاصة فيما يتعلق بدور إيران.

في هذا الصدد، يقول "نيو شين تشون"، مدير دراسات الشرق الأوسط في معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة: "الصين ودول الشرق الأوسط لا يشتركون في المنطق الاستراتيجي حيث تستند العلاقة بين الطرفين إلى منطق اقتصادي".

وأضاف: "لكن تداعيات فيروس كورونا ستغير الشرق الأوسط بشكل كبير. وسيغير هذا نموذج الاستثمار الصيني في المنطقة، وسوف يؤثر ذلك على علاقات الصين مع دول المنطقة بشكل عميق للغاية".

وتشير البيانات إلى أن تواجد الصين الاقتصادي في الشرق الأوسط يشهد انكماشا ملحوظا. وهو انكماش من المرجح أن يتزايد بفعل تداعيات فيروس كورونا وانخفاض أسعار النفط.

وقال "أجاثا كراتز"، المدير المساعد لمجموعة "روديوم"، وهي شركة أبحاث مستقلة، إن الاستثمار الصيني الأجنبي المباشر في الشرق الأوسط يبلغ الآن نحو 30% مما كان عليه عام 2016.

من جانبهم، يؤكد المسؤولون والمحللون الصينيون باستمرار أن الشرق الأوسط ليس أولوية للصين، وأن أي معارك مستقبلية مع الولايات المتحدة ستكون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وليس في الخليج.

من ناحية أخرى، لا تزال طهران هي فرس الرهان الرابح بالنسبة لبكين في الشرق الأوسط. وتداولت وسائل إعلام صينية تقارير عن اتفاق سري مزعوم للتعاون لمدة 25 عاما بين طهران وبكين بقيمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.

وقال الباحث في شؤون الشرق الأوسط "فان هوندا"، لصحيفة "شنغهاي أوبزرفر" التابعة للحزب الشيوعي الصيني، إن الاتفاقية، رغم أنها ليست قريبة من التنفيذ، فإنها تسلط الضوء على "لحظة تطور مهمة في الشرق الأوسط".

وقال "فان" إن الانقسام بين الولايات المتحدة والصين أعطى الصين مساحة أكبر لتطوير علاقاتها مع إيران، وهو ما لن يمر دون ملاحظة في الرياض وعواصم الخليج الأخرى.

تنافس ناشئ

ويعني كل ذلك أن هناك منافسة ناشئة في منطقة الخليج بين الولايات المتحدة التي ترغب في استثمار موارد أقل في المنطقة، وبين الصين التي لا تزال تحسب خطواتها. ودخلت (إسرائيل) بالفعل في خضم هذا التنافس وأوضحت خيارها، حتى لو كانت لا تزال تحاول الاحتفاظ ببعض التوازن.

وتعرف (إسرائيل) في النهاية أين تقع مصلحتها، خاصة في الوقت الذي تدرك فيه أن الولايات المتحدة هي الداعم الوحيد لسياساتها الخاصة بضم الأراضي.

على النقيض من (إسرائيل)، من المرجح أن تجد الولايات المتحدة الأمر أكثر صعوبة في ما يتعلق بإقناع دول الخليج بالحد من تفاعلها مع الصين، بما في ذلك مع شركة الاتصالات العملاقة هواوي، التي لديها بالفعل عمليات كبيرة في المنطقة.

ومثل (إسرائيل)، سعى المسؤولون الإماراتيون إلى إرسال رسالة إلى الولايات المتحدة بأنهم يرون أن العلاقات مع واشنطن لا غنى عنها، بالرغم من أنه لم يتم اختبار جدية هذه الرسالة بعد في ما يتعلق بالصين.

ومع ذلك، فإن تأكيد المسؤولين الخليجيين على أهمية العلاقات لن يحميهم من المطالب الأمريكية بمراجعة وتقييد علاقاتهم مع الصين، ولا التحذيرات من أن العمل مع شركة "هواوي" قد يعرض الاتصالات الحساسة للخطر، خاصة بالنظر إلى القواعد الأمريكية المتعددة في المنطقة، بما في ذلك قاعدة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين والمقر الرئيسي للقيادة المركزية للجيش الأمريكي في قطر.

ورفضت السفارة الأمريكية في أبوظبي الشهر الماضي عرض الإمارات التبرع بمئات اختبارات فيروس كورونا لفحص موظفيها. وكان هذا الرفض يهدف للتأثير على سمعة صناعة الصحة الصينية والتشكيك في تجربتها مع الوباء ومدى قدرتها على تصنيع المعدات الوقائية والطبية.

وقال مسؤول أمريكي إن الاختبارات تم رفضها لأنها إما صينية الصنع أو شاركت في تصنيعها شركة "بي جي آي جينوميكس"، وهي شركة صينية نشطة في الخليج، ما أثار مخاوف بشأن خصوصية المرضى.

البحث عن التوازن

وبغض النظر عما ستسفر عنه هذه المنافسة المحتدمة في الشرق الأوسط، فإن الجانب المشرق هو أن واشنطن، مثلها مثل بكين، لا يمكن تحمل تداعيات أي فراغ في السلطة في المنطقة.

وسيتطلب تصحيح الوضع تجنب التعامل مع النزاعات على أنها معارك صفرية، ليس فقط من جانب اللاعبين الإقليميين، ولكن أيضا من اللاعبين الخارجيين، كما تفعل واشنطن في ملف إيران.

وسيتطلب هذا مشاركة من جميع اللاعبين الإقليميين والخارجيين. ولتحقيق ذلك، يتعين على اللاعبين أن يدركوا أن أزمة دول الخليج تكمن في أن دول المنطقة يرون بعضهم البعض كتهديدات وجودية.

وسوف يؤدي الفشل في كسر هذه النظرة إلى تعميق الصراعات وخروجها عن السيطرة. ولتجنب ذلك، هناك حاجة ماسة للاستثمار في تدابير لبناء الثقة، قبل الحوار حول ترتيبات أمنية إقليمية ينتج عنها حلول للنزاعات.

ومن أجل تحقيق ذلك، سيتعين على القوى الكبرى استثمار المزيد من الإرادة السياسية والجهد في وقت تشعر فيه أن لديها أماكن أكثر أهمية للاهتمام بها وإعطائها الأولوية في المنافسة الجيوسياسية.

المصدر | جيمس دورسي/ريسبونسيبل كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد