سنة صعبة جديدة على المصريين

بلغ ما اقترضته البلاد خلال شهري مايو ويونيو فقط قرابة 14 مليار دولار!

العام المالي الجديد قد تفوق صعوبته 2017 الذي شهد قفزات بالأسعار والضرائب وخفض الدعم عقب تعويم الجنيه في نوفمبر 2016.

أكثر من نصف الأسر اقترضت بسبب كورونا و17% منها اعتمدت على مساعدات خيرية بينما باع 1.5% منها جزءا من الممتلكات لمواجهة الأزمة.

*     *     *

توسعت الحكومة المصرية خلال السنوات السبع الأخيرة في الاقتراض الخارجي، فقد اقترضت خلال هذه السنوات القليلة أكثر بكثير مما اقترضته الحكومات السابقة في نصف قرن، وربما في قرن كامل.

وزادت وتيرة الاقتراض في الأشهر الأخيرة عقب تفشي وباء كورونا، وما تبعه من تراجع حاد في إيرادات البلاد من النقد الأجنبي، خاصة من قطاع مهم مثل السياحة، وكذا من قطاعات أخرى مثل الاستثمارات الأجنبية والأموال الساخنة وقناة السويس وتحويلات المغتربين والصادرات.

 وبلغ ما اقترضته البلاد خلال شهرين فقط، هما شهري مايو ويونيو الماضيان، قرابة 14 مليار دولار، منها نحو 8 مليارات من صندوق النقد الدولي و5 مليارات دولار من الأسواق الدولية، وهناك مفاوضات لاقتراض مليار دولار من البنوك الإماراتية.

كما تم اقتراض 440 مليون دولار من البنك الدولي، و225 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية، إضافة إلى القروض الدولارية التي حصل عليها البنك المركزي المصري عبر طرح أذون خزانة بالنقد الأجنبي. كما تسعى مصر للحصول على قروض من مؤسسات دولية أخرى بقيمة 4 مليارات دولار، بحسب ما ذكرته وكالة بلومبيرغ.

ومع التوسع الكبير في الاقتراض الخارجي والمحلي على حد سواء، فإن كل المؤشرات تقول إن هذه ستكون سنة صعبة على المصريين، ففي ظل تراجع متوقع في الإيرادات الضريبية بشكل كبير، كما قال وزير المالية محمد معيط، بسبب تداعيات فيروس كورونا الخطيرة على الاقتصاد، وما أفرزته الجائحة من تباطؤ في النشاط التجاري والمالي، وكساد في الأسواق، وإلحاق خسائر بالشركات الكبرى وتراجع أرباح وإيرادات أكبر المؤسسات سدادا للضرائب، فإن الحكومة ستسرع الخطى للبحث عن بدائل لجمع أموال من المواطن تعوض ذلك التراجع المرتقب في الضرائب، والتي تمثل أكثر من 80% من إيرادات الخزانة العامة.

كما تعوض البدائل التراجع أيضا في باقي الإيرادات، ومنها إيرادات قناة السويس والشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة والخصخصة وبيع أراضي وأصول الدولة.

ومن بين هذه البدائل وأسهلها التوسع في فرض مزيد من الرسوم والتمغات على الخدمات المقدمة للمواطن في الهيئات الحكومية، مثل المرور ومصلحة الأحوال المدنية والشهر العقاري والجوازات والجمارك والأحياء والمحليات وغيرها، وزيادة الرسوم القائمة لجمع أكبر كم من الأموال، يتم من خلالها سداد مستحقات وأعباء الديون الخارجية والداخلية المستحقة على الدولة عن العام المالي الحالي 2020 -2021، والبالغة قيمتها نحو 1.2 تريليون جنيه، وهو ما يعادل إجمالي إيرادات الدولة خلال عام.

كما يتم من خلال حصيلة الرسوم أيضا تغطية الالتزامات الطارئة خاصة المتعلقة بمواجهة جائحة كورونا وتحسين المنظومة الصحية، وكذا تمويل المشروعات الكبرى التي لم يتم الانتهاء منها بعد، ومنها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة البالغة تكلفة المرحلة الأولى منه 45 مليار دولار.

وما فرض الحكومة رسوم قيمتها 100 جنيه على أي سيارة بها راديو عند تجديد المركبة، وعلى مبيعات البنزين والسولار، ورفع ضريبة السجائر والمخبوزات والمنظفات، وبعدها فرض رسوم على السجائر، وزيادة أسعار تذاكر النقل العام من قطارات ومترو انفاق وغيرها، ما هي إلا صورة مصغرة من الرسوم التي سيتم فرضها على المواطن لمعالجة أزمة التراجع في الإيرادات العامة.

زيادة الرسوم الحكومية سيواكبها زيادة في أسعار السلع والخدمات، وستزيد متاعب المواطن ومعيشته وحياته تعقيداً، خاصة في ظل النتائج الخطيرة لما يسمى "برنامج الإصلاح الاقتصادي"،  وما أفرزه من زيادة كبيرة في معدلات الفقر في المجتمع، وضعف القدرة الشرائية للمواطن، وتآكل المدخرات المحلية، وتهاوي العملة المحلية.

وكذا في ظل ما كشف عنه مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، أن أكثر من نصف الأسر المصرية اتجهت للاقتراض من الغير بسبب تداعيات كورونا، وأن 17% من الأسر اعتمدت على مساعدات "أهل الخير"، بينما باع 1.5% من الأسر جزءا من الممتلكات حتى تستطيع مواجهة الأزمة المالية الحالية.

كما كشف جهاز الإحصاء الرسمي أن 73.5% من المصريين المشتغلين انخفضت دخولهم بسبب تداعيات جائحة كورونا، ونحو 90% خفضوا استهلاكهم من اللحوم والفاكهة، و36% خفضوا كميات الطعام، ونحو 20% قللوا عدد الوجبات، وحوالي 92% لجأوا للطعام الرخيص، وذلك لانخفاض الدخل.

النتيجة النهائية هي أن العام المالي الجديد، الذي بدأ مع بداية شهر يوليو الجاري، سيكون صعبا على المصريين، وقد تفوق صعوبته عام 2017، الذي شهد قفزات في أسعار السلع والخدمات وزيادة الضرائب وخفض الدعم الحكومي المقدم لسلع رئيسية، مثل الوقود والكهرباء والمياه، عقب تعويم الجنيه المصري في نوفمبر 2016.

 * مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي

المصدر | العربي الجديد