تبرز القدس، التي تقع بالفعل في صميم الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، كخط أمامي جديد في الصراع من أجل الهيمنة الإقليمية في الشرق الأوسط. ومن خلال سياسات الضم، تدعم (إسرائيل) الجهود السعودية والإماراتية لمواجهة النشاط التركي في المدينة وتضعف موقف الأردن كوصي على أحد أقدس المواقع الإسلامية.

وفي حين تتمتع (إسرائيل)، بدعم من إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، بالسيطرة الإدارية الكاملة على القدس، فإن ذلك لم يمنع المدينة من أن تصبح مركزا لصراع إقليمي بين (إسرائيل) والسعودية والإمارات من ناحية، وبين تركيا والأردن المحاصر من ناحية أخرى.

وقد ازداد هذا الصراع حدة على خلفية وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بضم أجزاء من الضفة الغربية وجزء من وادي الأردن.

وتصور تركيا نفسها كزعيم للمعارضة الإسلامية للسياسة الإسرائيلية، وكانت صريحة في انتقادها لخطط "نتنياهو". وعلى عكس تركيا، حذرت الإمارات والسعودية من الضم على استحياء، لكنهما أكدتا أن ذلك لن يؤثر على تعاونهما مع الدولة اليهودية.

ونشرت وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية في الأيام الأخيرة، اعترافًا عامًا نادرًا بأن شركة أبوظبي للتكنولوجيا وقعت مذكرة تفاهم مع شركتي دفاع إسرائيليتين، هما شركة "رافائيل" لأنظمة الدفاع المتقدمة وشركة صناعات الطيران الإسرائيلية، بشأن التعاون في البحوث المتعلقة بالفيروس.

لكن التعاون الأوثق مع (إسرائيل) لم يُترجم إلى جهود إماراتية وسعودية ناجحة لحشد الدعم الفلسطيني ومواجهة المعارضة التي تقودها تركيا.

منافسة تركية إماراتية

وتأمل الإمارات أن تتمكن من وضع "محمد دحلان"، رئيس الأمن الفلسطيني السابق المثير للجدل وصاحب العلاقات الوثيقة مع ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد"، خلفا للرئيس الفلسطيني المسن "محمود عباس".

وقد انتقد رئيس الوزراء الفلسطيني "محمد شتية"، المساعدات الطبية المزعومة التي قدمتها الإمارات للفلسطينيين، ورفضتها السلطة لعدم التنسيق، وبعد أن تم تسليمها إلى مطار تل أبيب على متن رحلة لطيران الاتحاد، تعد هي الأولى من نوعها بين أبوظبي و(إسرائيل).

ويهدف النشاط الإماراتي السعودي على الساحة الفلسطينية إلى مواجهة جهود تركيا التي ترتدي عباءة القيادة الإسلامية في مواجهة خطط الضم الإسرائيلية. وتقود أنقرة حملة ضد الإجراءات الأمريكية والإسرائيلية الأحادية، وعلى رأسها اعتراف "ترامب" في عام 2017 بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل)، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها.

وقللت الإمارات والسعودية من أهمية القمة الإسلامية التي عقدت في ذلك الوقت في إسطنبول من قبل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، ولكنها فشلت في إقناع قادة مثل ملك الأردن "عبدالله الثاني" بعدم الحضور وإرسال ممثلين من المستوى الأدنى فقط. ومنذ ذلك الحين انتقلت المعركة إلى القدس نفسها.

وكمثال على ذلك، أزالت (إسرائيل) الشهر الماضي لوحة تذكارية لإحياء ذكرى المساهمة التركية في ترميم مقبرة اليوسفية التاريخية في القدس. وتقع المقبرة بجوار سوار المدينة القديمة وتقع تحت سلطة الوقف الإسلامي بالقدس.

معركة الوصاية

وتعد المقابر اليوسفية أحد الأوقاف الإسلامية الخاضعة للوصاية الأردنية، بجوار المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

بدوره، نجح الأردن الذي يعاني من ضائقة مالية في الأشهر الأخيرة في صد المحاولات السعودية المدعومة من (إسرائيل) لإلغاء الوصاية الأردنية على القدس، ونقلها إلى السعودية.

ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم"، الأكثر قراءة في الدولة اليهودية، عن دبلوماسي عربي مجهول قوله إن هناك حاجة إلى أموال سعودية لمواجهة النفوذ التركي في القدس.

وفي محاولة لاكتساب نفوذ على الأوقاف الإسلامية في المدينة المقدسة، تعهدت السعودية بالتبرع بمبلغ 150 مليون دولار أمريكي لدعم مواقع التراث الإسلامي في المدينة، فور اعتراف "ترامب" بالقدس عاصمة (لإسرائيل).

وقال "رائد دعنا"، مدير الوعظ والإرشاد السابق في إدارة المسجد الأقصى في ذلك الوقت، إن السعودية دعت شخصيات فلسطينية مسلمة سرا لزيارتها، في محاولة لحشد الدعم لانتزاع الوصاية على الأماكن المقدسة.

وفي خطوة نادرة، زار السعودي "إياد مدني" القدس في 2018 بصفته الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة ويقع مقرها في جدة.

وأكد "كمال الخطيب"، وهو زعيم إسلامي فلسطيني، أن "دحلان"، المدعوم من الإمارات، عمل من خلال رجال أعمال محليين، لشراء عقارات مجاورة للحرم القدسي الشريف. وقال إن أصحاب العقارات الفلسطينيين رفضوا البيع.

ومع ذلك، أوضح تحقيق أجرته "الجزيرة"، أن الإمارات مولت بنجاح الاستيلاء على ممتلكات في حي "سلوان" على مشارف المدينة القديمة بالقدس، تم نقلها منذ ذلك الحين إلى مستوطنين إسرائيليين.

صراع محتدم

يثير النشاط التركي في القدس القلق ليس فقط بسبب المعارضة الإسرائيلية والسعودية والإماراتية لطموحات تركيا الجيوسياسية ودعمها للإسلاميين، ولكن أيضًا لأنه، على عكس الدولتين العربيتين، يمكن لتركيا أن تستغل حقيقة وجود علاقات دبلوماسية مع الدولة اليهودية.

وقد سهل ذلك أنشطة وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا"، التي تعمل كأداة لتعزيز التأثير التركي في جميع أنحاء العالم، كما سمح لآلاف الأتراك بزيارة القدس كحجاج.

وفي عام 2015، أدرجت المديرية العامة للشؤون الدينية في تركيا المسجد الأقصى كموقع للحج.

وسبق أن اتهمت السلطات الإسرائيلية المؤسسات التركية بالتحريض على الاحتجاجات في فلسطين، بما في ذلك في الحرم الشريف.

وأفاد "يوسي ميلمان"، مراسل الشؤون العسكرية والاستخباراتية في صحيفة "هآرتس" الشهر الماضي، أن (إسرائيل) كانت تراقب مؤخرًا نشاط "تيكا" المتزايد في القدس؛ والذي شمل التبرعات المالية والغذائية، بالإضافة إلى تمويل مقهى وبيت شباب ودار سينما.

وقالت "غاليا ليندنشتراوس"، وهي باحثة تكتب كتابًا عن العلاقات التركية الإسرائيلية: "النشاط التركي في القدس الشرقية يخلق بالتأكيد توترات، سواء مع السعودية أو الأردن".

وأكدت "ليندنشتراوس" أن الجهود السعودية والإماراتية لن توقف النشاط التركي في القدس. وقالت: "أتوقع أن يستمر هذا النشاط"، مؤكدة أن القدس من المرجح أن تظل في طليعة الانقسامات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

ومن وجهة نظر فلسطينية، قد يكون هناك جانب إيجابي في الاهتمام التركي المتزايد بالقدس، في وقت لا يملك فيه الفلسطينيون سوى خيارات قليلة لإحباط خطط الضم الإسرائيلية.

المصدر | جيمس دورسي /انسايد أرابيا- ترجمة وتحرير الخليج الجديد