الجمعة 10 يوليو 2020 10:47 ص

في يناير/كانون الثاني، أصبحت الإمارات أول دولة في الشرق الأوسط تعترف بحالة إصابة بفيروس كورونا. ومنذ ذلك الحين، تفشى الفيروس بشدة، حيث تجاوز إجمالي عدد الإصابات في البلاد 53 ألف إصابة.

وحظيت جهود أبوظبي في التصدي للوباء بثناء كبير في الداخل والخارج. وأشاد رئيس منظمة الصحة العالمية "تيدروس أدهانوم جيبريسوس"، بالجهود الإنسانية التي تبذلها الإمارات في الحرب العالمية ضد الفيروس، وأشاد بمساعدتها لإيران في أوائل مارس/آذار، وتوفيرها الإمدادات الطبية للبلدان الأفريقية في أبريل/نيسان.

وفي 7 يونيو/حزيران، شكر "جيبريسوس" ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد آل نهيان"، على مساهمة دولة الإمارات بـ 500 ألف مجموعة اختبار، بقيمة 10 ملايين دولار، لصالح منظمة الصحة العالمية.

وتعترف مثل هذه الإشادات بالجهود والموارد التي تخصصها الإمارات لمواجهة الوباء. ومع ذلك، ربما يكمن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الاستجابة الإماراتية للوباء في أجهزة الدفاع والأمن الوطنية المتطورة في الإمارات.

وعلى مدى العقد الماضي، وعلى خلفية الظروف العالمية والإقليمية المواتية، توسعت الإمارات في توظيف قدراتها العسكرية في المسارح الخارجية للعب أدوار قوية في الشرق الأوسط وخارجه.

وداخل البلاد، ارتفع وضع القوات المسلحة باستمرار، حيث ساهم الانخراط في اليمن في إحساس متزايد بالهوية الوطنية.

وفي الواقع، ساهم الانخراط العسكري المتزايد لدولة الإمارات في المنطقة منذ انتفاضات الربيع العربي، قبل 10 أعوام تقريبا، في الصعود المستمر لأسهم القوات المسلحة باعتبارها محور استراتيجية النفوذ والتأثير التي وضعها زعيم الإمارات الفعلي، "محمد بن زايد".

وللوهلة الأولى، يبدو أن الوباء قد يضع حدا لهذا الأمر، حيث أجبر العديد من البلدان، خاصة في أوروبا، على تقليص عملياتها العسكرية. ولكن من الواضح أن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة إلى الإمارات.

أدوار جديدة

وبعيدا عن الأحداث الأخيرة، فقد تم منح القوات المسلحة الإماراتية دورا جديدا ضمن الأجندة الاستراتيجية المتطورة لـ "محمد بن زايد".

وكان الجيش حاضرا في قلب استراتيجية البلاد لمواجهة تفشي فيروس كورونا. وفي 5 مايو/أيار، أشاد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة "خليفة بن زايد آل نهيان" في بيان له "بالجهود والمشاركة النشطة لقواتنا المسلحة الشجاعة وقوات الشرطة وقوات الدفاع المدني وأجهزة الأمن لضمان تنفيذ الإجراءات الاحترازية والوقائية التي اتخذتها الدولة لاحتواء انتشار الوباء".

وداخل البلاد، تم اتباع نهج "مدني عسكري مختلط"، كما كتب "ثيودور كاراسيك". واعتمدت الاستجابة في الغالب على بروتوكولات الإغلاق الصارمة وبرامج التعقيم.

وتتضمن الخطوات المتخذة لاحتواء الفيروس أيضا إجراء الاختبارات بشكل مكثف. وتحتل الإمارات المرتبة الثانية عالميا من حيث الاختبارات التي تم إجراؤها لكل مليون شخص، وتتبع البلاد أيضا نهجا متطورا في تتبع المصابين والمخالطين.

ويثير هذا الجانب الأخير من الاستجابة للوباء في أبوظبي ودول أخرى أسئلة مهمة تتعلق بتتبع المواطنين والتوسع في جمع البيانات وتعزيز مراقبة الدولة. وفي هذه العملية، غالبا ما يتم تعزيز دور الأجهزة الأمنية، لاسيما أجهزة الاستخبارات.

وعلى الصعيد المحلي، تؤكد جهود احتواء الفيروس على مركزية الجيش في الإمارات، وهو ما أكد عليه ولي عهد أبوظبي بقوله إن "القوات المسلحة ستكون حجر الزاوية في خطط الإمارات الاستراتيجية للأعوام الـ 50 المقبلة".

وكانت إمارة أبوظبي قد عززت نفوذها على الإمارات الأخرى خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي أثرت بشكل كبير على نفوذ دبي.

سياسات الموانئ

وفي ما يتعلق بمشاركاتها على الجبهة الدولية، يعد المثال الأبرز على النهج العسكري المدني المشترك للإمارات هو سياستها الاستراتيجية القائمة على الموانئ.

وفي حين تواصل الإمارات الاستثمار في العديد من الموانئ في جميع أنحاء العالم، عبر شركتها "موانئ دبي العالمية"، بدأت أبوظبي فيما بعد عسكرة بعض هذه المواقع في القرن الأفريقي.

وقد تتحول المبادرات الإنسانية الحالية للإمارات إلى مثال آخر على هذا التكتيك. وحتى 12 يونيو/حزيران، استجابت الإمارات لأزمة فيروس كورونا بتقديم أكثر من 904 أطنان من المساعدات لأكثر من 65 دولة.

وبينما تلعب دبي دورا في ذلك، مع شحنات الإمدادات الطبية التي تخرج عبر "المدينة الإنسانية الدولية"، تعتمد أبوظبي بشكل متزايد على "جي 42"، وهي شركة ذكاء اصطناعي وحوسبة سحابية مقرها في الإمارات.

وبعد أيام من الإعراب عن دعم الإمارات للصين في معركتها لاحتواء انتشار الفيروس، أعلنت "جي 42" أنها ستقوم "بإنشاء عمليات مخبرية مشتركة، وأنشطة تدريب لأفراد الصحة والأمن، بالإضافة إلى الاستفادة من بنيتها التحتية السحابية ومنصة الذكاء الاصطناعي لدعم تخزين البيانات وتوفير تحليلات بيانات متقدمة حول تطور الوباء".

وقبل ذلك، في منتصف يناير/كانون الثاني، كانت "جي 42" قد استحوذت على شركة "بيانات" لخدمات الخرائط والمساحة، وهي شركة ولدت من رحم دائرة المساحة العسكرية، أحد قطاعات القوات المسلحة الإماراتية.

وفي أواخر مارس/آذار، افتتحت "جي 42" ومعهد بكين للوراثة مختبرا ضخما للكشف عن الفيروسات التاجية في الإمارات.

وكانت مجموعات الاختبار التي أنتجها المختبر جزءا من مساعدات الإمارات الإنسانية في الخارج، بما في ذلك تلك التي تبرعت بها لمنظمة الصحة العالمية.

وكما هو الحال على الصعيد المحلي، أثار هذا أسئلة تتعلق بجمع البيانات واستخدامها، من قبل أجهزة الاستخبارات في الإمارات أو الصين، على المستوى العالمي.

وتؤكد هذه الخطوات استمرار مركزية الأجهزة الأمنية في سياسات دول الخليج. وفي الواقع، ترتبط "جي 42" بشكل وثيق بالعائلة الحاكمة في الإمارات.

ويسبق اهتمام "محمد بن زايد" بأحدث التقنيات، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، ظهور الوباء. وتأسست جامعة "محمد بن زايد" للذكاء الاصطناعي في أكتوبر/تشرين الأول 2019، مع مجلس أمناء يضم "بينج شياو"، الرئيس التنفيذي لـ "جي 42".

وبينما كانت المؤسسة قائمة بالفعل منذ فترة، من الواضح أن الوباء ساهم في صعودها وزيادة حجم أعمالها.

وفيما يبدو، فإن أبوظبي تسعى للاستفادة من الدبلوماسية الإنسانية لتعزيز قدراتها في مجال المراقبة العالمية، والحرب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، بدعم واضح من الصين.

المصدر | إيما سوبرييه/معهد دول الخليج العربي في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد