يرتبط ماضي الأردن وحاضره ومستقبله ارتباطا وثيقا بقضية فلسطين، أكثر من أي دولة عربية أخرى. ويعد هذا الإرث الذي يتحمله الأردن أحد النتائج المباشرة للإمبريالية البريطانية، التي فرضت "وعد بلفور" سيئ السمعة والمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني على السكان الأصليين لفلسطين والمنطقة.

لقد كان الاستعمار الاستيطاني جوهر قضية فلسطين، وكل شيء آخر بعد ذلك كان ثانويا. ولقد خرج الأردن الذي نعرفه اليوم من رحم هذا الواقع التاريخي، وبالتالي سيكون حاضره ومستقبله دائما مرتبطا بهذا التاريخ.

ونجح مؤسس الأردن الأمير "عبدالله بن الحسين"، في كسب السيادة على إمارة شرق الأردن ضمن حدود فلسطين الانتدابية. لكن هذا كان ممكنا فقط بسبب تعاونه مع بريطانيا و"تواطئه" مع الاستعمار الصهيوني.

وأدت هذه العلاقة الضمنية إلى ضبط النفس المتبادل بين الأردن و(إسرائيل)، حتى في أزمان مواجهاتهما العسكرية المباشرة.

الأمن القومي

وفي عام 1994، وقع الأردن و(إسرائيل) معاهدة "وادي عربة" للسلام، التي حولت تفاهماتهما الضمنية وعلاقتهما السرية إلى سلام رسمي، حتى لو لم يحظ هذا السلام بدعم شعبي.

وكان من غير الممكن تصور معاهدة السلام هذه بدون "اتفاق أوسلو" لعام 1993، والوعد الضمني بانسحاب (إسرائيل) من الضفة الغربية وغزة، اللتين احتلتهما (إسرائيل) عام 1967 من الأردن ومصر على التوالي، لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وتحتل إعادة الأراضي وإقامة الدولة الفلسطينية مكانة متقدمة من منظور المصالح الأمنية الوطنية للأردن. وفقط بتحقيق هذين الشرطين يمكن وقف سيولة حدود الدولة الإسرائيلية وتوسعها شرقا، وهو التوسع الذي يشكل تهديدات جغرافية وديموغرافية جسيمة للمملكة الهاشمية.

وإلى جانب الأهمية الاستراتيجية، ستسمح الدولة الفلسطينية لعدد كبير من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تشريدهم عام 1967 بالعودة إلى الضفة الغربية، وفقا لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 237.

ومع ذلك، لم يتم تحقيق أي من الشرطين، وتغيرت الديناميات السياسية الإقليمية والدولية منذ عام 1994.

وفي (إسرائيل)، تحول المشهد السياسي بشكل كبير إلى أقصى اليمين؛ مما غذى الممارسات الاستعمارية الاستيطانية، التي خلقت "حقائق جديدة على الأرض" جعل من مستقبل الدولة الفلسطينية وتقرير المصير عبر "عملية السلام" مجرد خيال.

وتكتمل التطورات السياسية والمادية على أرض الواقع بديناميات إقليمية ودولية معقدة. على وجه الخصوص، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" نهجا جديدا تجاه معظم النزاعات الدولية، وخاصة في الشرق الأوسط.

وتعزز خطة "ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" المزعومة للسلام، المعروفة باسم "صفقة القرن"، الاستعمار الإسرائيلي وتشرعن ضم (إسرائيل) للضفة الغربية وفرض سيادتها على كامل فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى مرتفعات الجولان السورية.

تحول جيوسياسي

والأسوأ من ذلك للأردنيين والفلسطينيين، أن هذه الخطة تتمتع بدعم الدول العربية المؤثرة، خاصة السعودية والإمارات، الدولتين الخليجيتين اللتين كثفتا من تقاربهما السياسي وتطبيعهما مع (إسرائيل).

وفشل الاتحاد الأوروبي، وهو مؤيد قوي وراعٍ لما يسمى بعملية السلام وحل الدولتين، ليس فقط في التوصل إلى موقف مشترك بشأن الخطة الأمريكية، ولكن أيضا في إدانة خطط (إسرائيل) لضم أي جزء من الضفة الغربية رسميا.

ووسط السياسات الدولية والإقليمية المتغيرة، كان تحالف الأردن مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خيانة للقضية.

وأصبح الأردن ضحية لسياسته الخارجية والأمنية الخاصة، التي ارتبطت بشكل وثيق مع الولايات المتحدة، ومؤخرا مع الاتحاد الأوروبي.

وفي حين أن نصف هذا التحالف، أي الولايات المتحدة، يشجع ضم (إسرائيل) وسيادتها على فلسطين، فإن النصف الآخر، وهو الاتحاد الأوروبي، غير راغب في المواجهة بشكل حاسم.

ومن المقرر أن يتم الضم في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بأسره، بمن في ذلك الأردنيون والفلسطينيون، ووسائل الإعلام العالمية، بجائحة كورونا.

في الوقت نفسه، يوفر تفشي فيروس "كورونا" الإلهاء الذي تحتاجه (إسرائيل) لإكمال الضم بهدوء، دون تمحيص أو مقاومة محلية أو دولية.

ورسخ فيروس "كورونا" المبادئ التي يروج لها القوميون في الشرق الأوسط. وحتى قبل تفشي المرض، كان العالم العربي منشغلا بالمخاوف المحلية، حيث أظهر القليل من القلق من خطة "ترامب" و"نتنياهو"، ولم يبدِ اهتماما حتى باعتراف الولايات المتحدة بسيادة (إسرائيل) على القدس ومرتفعات الجولان.

توسع إسرائيلي

شجَّع رد الفعل العربي الضعيف، بما في ذلك من قبل الفلسطينيين والأردنيين، وكذلك الصمت الدولي، على اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، شجَّع (إسرائيل) والولايات المتحدة على المضي قدما وتسريع خططها لفرض السيادة الفعلية على كامل فلسطين.

وفي حين أن هذا كله يبقى غير قانوني بموجب القانون الدولي، فقد علمنا التاريخ أن القانون الدولي يخضع في النهاية للواقع المفروض على الأرض.

ومنذ عام 1967، ترتكز الاستراتيجية الإسرائيلية على عنصرين متوازيين، هما الاحتلال الفعلي للأرض، إلى جانب حملات العلاقات العامة التي تروج "للسلام والمفاوضات" لإخفاء توجهاتها الاستعمارية والاستيطانية.

وبهذه الاستراتيجية، تمددت (إسرائيل) في المنطقة على الأرض، من خلال الاستيلاء الفعلي على الأراضي العربية، وتوسعت سياسيا من خلال العلاقات العلنية والسرية مع معظم الدول العربية.

ولم يبق أمام (إسرائيل) شيء لتفعله سوى الضم الرسمي للأراضي والتخلص التدريجي من الفلسطينيين. وينسف الضم الرسمي للضفة الغربية، وخاصة وادي الأردن، رسميا استراتيجية الأردن الخارجية والأمنية التي تم تطويرها بعقود بموافقة الولايات المتحدة وأوروبا والحركة الصهيونية، ونصت على أن يعقد الأردن و(إسرائيل) سلاما رسميا، على أنه تكون هناك دولة فلسطينية عازلة بين البلدين.

تطهير عرقي

يضع الواقع الجديد الأردن وجهاً لوجه مع عواقب خرائطية وديمغرافية مثيرة للقلق. وتصبح فرص حدوث تطهير عرقي آخر احتمالا واضحا بموجب صيغة الضم الرسمي وخطط إقامة دولة يهودية في كامل فلسطين، كما هو موضح في قانون الدولة القومية لعام 2018، الذي يهدف إلى ضمان الأغلبية اليهودية في الدولة الإسرائيلية.

ويرتبط هذا ارتباطا وثيقا بالمخاوف الأردنية التي كانت قائمة في السابق بعامي 1948 و1967، والتجارب الحالية للهجرة القسرية في الشرق الأوسط.

وإزاء هذه الخلفية، فإن حدوث تطهير عرقي آخر في الضفة الغربية، يجبر عددا كبيرا من الفلسطينيين على الفرار إلى الأردن، يعد احتمالا حقيقيا.

ولا يزال نقل وطرد الفلسطينيين من فلسطين جزءا لا يتجزأ من البنية الاستعمارية الاستيطانية للدولة الإسرائيلية، التي تنظر إلى الأردن كوطن بديل للفلسطينيين.

وفي حين أن نزوحا سكانيا آخر سيكون كارثيا للفلسطينيين، فإنه سيؤثر بشكل سلبي أيضا على استقرار الأردن ومستقبله.

وبالإضافة إلى الضم، يشهد النظام الهاشمي تشكيكا في جدوى رعايته للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، التي تشكل مصدرا هاما لشرعية النظام.

وحتى في هذا الصدد، تحدد الخطة الأمريكية (إسرائيل) بشكل لا لبس فيه على أنها "الوصي على القدس".

وبعد 5 عقود، أصبحت قبضة (إسرائيل) محكمة على كل مكان في الضفة الغربية. ويتم ضم معظم مناطق الضفة الغربية وتهويدها بشكل عملي، وخاصة وادي الأردن. وهكذا، أصبح التظاهر باستمرار عملية السلام والمفاوضات أمرا لا معنى له.

النظر في جميع الخيارات

ووفق هذه الخلفية، يمكن للمرء أن يفهم عمق الخوف الذي يكمن وراء تحذير الملك "عبدالله الثاني" من أن الضم الإسرائيلي سيؤدي إلى "صراع كبير" مع الأردن، وأنه "يفكر في جميع الخيارات" ردا على ذلك.

لكن لا يكشف هذا التحذير عن استراتيجية للرد على ما يشكل "تهديدا مباشرا لسيادة الأردن واستقلاله"، على حد تعبير وزير الخارجية الأردني السابق "مروان المعشر".

ومع ذلك، فإنه يكشف مدى صعوبة الموقف الذي يواجهه الأردن. وفي الواقع، كان الملك "حسين" على استعداد لوقف معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، حال رفضت (إسرائيل) توفير الترياق للسم الذي استخدمه عملاؤها في محاولة اغتيال "خالد مشعل"، الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة "حماس"، عام 1997.

ويبقى أن نرى ما إذا كان إنهاء أو تعليق هذه المعاهدة وإعادة تنظيم التحالفات هي خيارات متاحة حاليا على أجندة الأردن.

وكانت جائحة كورونا قد خلقت نقاشا شعبيا فريدا حول الدولة، وهي فرصة مثالية لإجراء إصلاحات جادة للقضاء على الفساد وإشراك المواطنين في عملية صنع القرار، من أجل صياغة استجابة ذات أساس وطني ضد خطط الضم الإسرائيلية.

وتاريخيا، كان بقاء المملكة الهاشمية على المحك عدة مرات. لكن الأردن يجد نفسه اليوم في حالة طوارئ سياسية وأمنية واقتصادية وصحية غير مسبوقة.

ومهما كانت القرارات المحلية أو الاقتصادية، أو القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية، التي يتخذها الأردن، أو يتردد فيها، فمن المرجح أن تترك أثرا طويل الأمد على مستقبل الأردن وقضية فلسطين. ويجب أن يتم اتخاذ هذه القرارات الوجودية بشكل جماعي، إلى توافق وطني أوسع نطاقا ومشاركة حقيقية من المواطنين.

المصدر | إيميل بادارين/ ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد