الحكومة الفرنسية الجديدة

أضرار الجائحة الاقتصادية ستزيد البطالة وتعمّق أزمة اجتماعية حادة تعاني منها فرنسا قبل الجائحة.

تداعيات كورونا تنذر بتصاعد الاحتجاجات الشعبية الشتاء القادم بعد ارتفاع معدلات البطالة إلى نسب قياسية.

الخلل ليس في الأشخاص والحقائب بل خلل هيكلي نابع من طبيعة النظام الاقتصادي العالمي والأوروبي تحديدا.

التشكيلة الحكومية الجديدة إعادة توزيع للحقائب محاولة لامتصاص أزمة يعاني منها الرئيس وحزبه بعد الانتخابات الأخيرة.

*     *     *

أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية عن تعديل وزاري سرعان ما أعقبه إعلان قصر الإيليزيه عن إعفاء رئيس الوزراء السابق إدوارد فليب وتعيين جون كارتكس في منصبه.

تأتي الحكومة الجديدة على خلفية أزمة كورونا الخانقة وما أحدثته في فرنسا من تغيير كبير في الاقتصاد والمجتمع والسياسة وهو تغيير حتّم تشكيل فريق جديد على أساس المتغيرات الحادثة.

لم تكن نتائج الانتخابات البلدية بعيدة عن هذا التغيير حيث كانت النتائج متوقعة بتراجع حزب الرئيس ماكرون «الجمهورية إلى الأمام» وتقدّم الأحزاب الاشتراكية وأحزاب الخضر الذين فازوا لأول مرة ببلديات مدن كبيرة مثل بوردو وليون.

ستكون أمام الحكومة الجديدة تحديات جسيمة بسبب الآثار الاقتصادية البليغة للجائحة حيث تراجع النمو بشكل كبير وتضررت قطاعات اقتصادية حيوية مثل قطاع الخدمات وقطاع السياحة وصناعات السيارات والنقل خاصة.

لكنّ الأضرار الاقتصادية ستنعكس حتما على نسبة البطالة بشكل قد يعمّق الأزمة الاجتماعية الحادة التي كانت تعاني منها فرنسا قبل الجائحة، وهو الأمر الذي ينذر بتصاعد الاحتجاجات الشعبية خلال الشتاء القادم بعد ارتفاع معدلات البطالة إلى نسب قياسية.

لكنّ السلطات الفرنسية لا تقتصر في هندسة سياستها الاقتصادية والاجتماعية في المدى القصير على امتصاص آثار الأزمة بل إنها تسعى إلى إعادة النظر بشكل كلّي في بنية الاقتصاد بشكل يجعله قادرا على تجاوز أزمات مماثلة مستقبلا.

يمثل التعويل على الطاقات المتجددة وتقنيات الانتاج والعمل عن بعد والحدّ من التعويل على الصناعات الأجنبية وتوطين الصناعات الثقيلة أهم الوسائل التي أعلنت عنها السلطات الفرنسية لمنع تجدد الخسائر الناجمة عن جائحة كورونا.

لكنّ كثيرا من المراقبين لا يرون في التشكيلة الحكومية الجديدة إلا إعادة توزيع للحقائب في محاولة لامتصاص الأزمة التي يعاني منها الرئيس ماكرون وحزبه بعد نتائج الانتخابات الأخيرة.

كما يرى كثيرون أنّ الخلل لا يكمن في الأشخاص والحقائب بل هو خلل هيكلي نابع من طبيعة النظام الاقتصادي العالمي والأوروبي منه على وجه التحديد.

إنّ تصاعد التنافس بين القوى الأوروبية داخل دول الاتحاد مع تنامي التنافس الآسيوي خاصة في الصين هو الذي سيطرح على فرنسا خيارات صعبة في المرحلة المقبلة.

وهي خيارات لا تقتصر على تسوية الأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية وإنما تتعلق كذلك بمصير النفوذ الفرنسي حول العالم وخاصة في إفريقيا وفي دول مستعمراتها السابقة.

أمام فرنسا اليوم تحديات كبيرة في الداخل والخارج لم تواجهها الدولة منذ الحرب العالمية الثانية مع التغير السريع الذي تشهده الساحة الدولية والإقليمية على كل الأصعدة.

وهو الأمر الذي سيحدد مصير الطبقة السياسية الفرنسية ومصير الرئيس ماكرون نفسه في السنوات القادمة.

* د. محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون، باريس.

المصدر | الوطن القطرية