أمريكا بلا طبقة وسطى

الولايات المتحدة تتجه نحو كارثة لا تحظى باهتمام وسائل الإعلام لأنها تظهر ببطء، وبالتدريج.

أمريكا لم تعد تقف بهامة مرتفعة تجعلها ترى ما لا يراه الآخرون بل إنها تتخلى طوعا عن دورها في زعامة العالم!

ترامب ليس سبب الأزمة إنما هو مظهرها، فيأس الأمريكيين هو وحده الذي دفعهم لجعله رئيساً، وقد يواصلون التمسك به.

إذا لم يكن جيل الأمريكيين القادم أفضل تعليماً وأكثر انضباطاً من نظرائهم الصينيين فالجبروت الاقتصادي ومعه زعامة العالم ستنتقل تدريجياً إلى الصين.

*     *     *

وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت قالت، في حينه: «نحن (وتقصد أمريكا)، نقف بهامة مرتفعة ولذلك فإننا نرى أبعد مما ترى الأمم الأخرى».

عبارة فيها الكثير من الغطرسة، لكن مؤلف كتاب «العالم في عام 2020» الذي أتينا على ذكره هنا سابقا حذّر، قبل ربع قرن، من التالي: «إذا لم يكن الأمريكان في الجيل القادم أفضل تعليماً وأكثر انضباطاً من نظرائهم الصينيين، فإن الجبروت الاقتصادي، ومعه زعامة العالم، ستنتقل تدريجياً إلى الصين»، التي قدّر الرجل، يومها أنها ستكون أقل مركزية.

لا ندري ما إذا كانت الصين قد غدت أقل مركزية، ولكن الذي ندريه أن أمريكا لم تعد تقف بهامة مرتفعة تجعلها ترى ما لا يراه الآخرون، بل إنها تتخلى، طوعاً، عن دورها في زعامة العالم.

وما الانسحابات المتكررة التي يعلنها الرئيس دونالد ترامب من المنظمات الدولية الأكثر صلة بالملفات والقضايا الإنسانية إلا مظهر من مظاهر ذلك.

أحدث انسحاب أمريكي كان من منظمة الصحة العالمية، وفي أشدّ الظروف حرجاً على المستوى الكوني، التي تتطلب إدارة عالمية موحدة في مواجهة جائحة «كورونا».

قبل ذلك، أعلن ترامب الانسحاب من المنطمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم «يونيسكو»، ومن الاتفاقية الدولية للمناخ، ومن مجلس حقوق الإنسان، مكرراً: «البزنس فقط! لا شيء غير البزنس يعنينا».

صحفي «دير شبيجل» الألمانية، بنيامين بيدّر، يرى أن الولايات المتحدة تتحرك ببطء نحو الكارثة، فالطبقة الوسطى الأمريكية تموت بهدوء، وينقل عن كتاب الباحثين الأمريكيين أنغوس ديتون، حائز «نوبل» في الاقتصاد، والاقتصادي آن كيز يريان «الموت يأساً»: أن الولايات المتحدة تتجه نحو كارثة، لا تحظى باهتمام وسائل الإعلام، لأنها تظهر ببطء، وبالتدريج.

الحديث لا يدور فقط عن التراجع الاقتصادي، فعلى خلاف ما يجري في غالبية البلدان المتقدمة، حيث نلحظ ميلاً في زيادة متوسط ​​العمر، تشهد أمريكا زيادة في الوفيات الناجمة عن ارتفاع حالات الانتحار وإدمان الكحول وعواقبه، والجرعات الزائدة من المخدرات.

وأكثر من يعاني من هذه المشاكل هم أفراد «الطبقة العاملة البيضاء»، المكونة من مواطنين أمريكيين لم ينهوا تعليمهم العالي.

إلى ذلك، ففي جميع البلدان الصناعية تقريباً، ينخفض ​​معدل الوفيات بين هؤلاء السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و54 عاماً، في حين أنه ارتفع في الولايات المتحدة مقارنة بنهاية تسعينيات القرن الماضي.

ترامب ليس سبب الأزمة إنما هو مظهرها، فيأس الأمريكيين هو وحده الذي دفعهم لجعله رئيساً، وقد يواصلون التمسك به.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين  

المصدر | الخليج - الشارقة