السبت 11 يوليو 2020 02:40 ص

مناوشات اقتناص «الصيد السمين»

إيران تواجه الآن بعد هذه الاعتداءات خيار «الانتظار المستحيل» لكنها تواجه أيضا أيضا خيار «الرد الصعب».

حادث «منشأة نطنز» لتخصيب اليورانيوم تم بعمل تخريبي «قامت به جهة ما» أو أنه «هجوم سيبراني» قامت به جهة معادية.

تواجه إيران الآن بعد الاعتداءات على منشآتها خيار «الانتظار المستحيل» كما تواجه أيضاً في الوقت ذاته، خيار «الرد الصعب»!

*     *     *

رغم الحرص الإيراني الشديد على الالتزام بأعلى درجات التكتم على المعلومات الموثقة التي تم التوصل إليها بخصوص سبب التفجير والحريق الذي اندلع في «منشأة نطنز» لتخصيب اليورانيوم، فإن كل الاجتهادات الداخلية في إيران تتركز حول أمرين: أولهما أن الحادث تم عن طريق عمل تخريبي «قامت به جهة ما»، وثانيهما أنه «هجوم سيبراني» قامت به جهة معادية.

التلميح للعمل التخريبي ربما يكون مجرد محاولة للتمويه على السبب الحقيقي الذي بدأت أجهزة الإعلام الإيرانية تتحدث عنه «على استحياء»، وتشير بأصابعها نحو جهتين لا ثالث لهما، «إسرائيل» والولايات المتحدة.

الصمت الرسمي الإيراني عن توجيه الاتهام للمتهمين المعنيين بارتكاب الحادث من الصعب أن يستمر كثيراً؛ لأن كل يوم يمر دون الإفصاح عن مرتكب الحادث يؤدي إلى مزيد من «تآكل المصداقية» في المؤسسات الرسمية من جانب الإيرانيين، وتآكل المصداقية يؤدي بدوره إلى «تآكل الشرعية».

وهذا أصعب وربما أخطر، ما تخشاه القيادة الإيرانية في ظل الظروف الداخلية شديدة الصعوبة، في مردودها على تآكل التماسك في الجبهة الداخلية التي يرتكز عليها النظام الإيراني في اكتساب شرعيته.

إيران تعاني كثيراً جراء العقوبات الأمريكية المشددة والمتلاحقة، وتعاني كثيرًا تداعيات فيروس كورونا، وكانت قد تعرضت العام الماضي لتظاهرات واحتجاجات شعبية ضخمة شملت معظم المدن الإيرانية الكبرى.

من تابع أداء القيادة الإيرانية على مدى العامين الماضيين، وتحديداً منذ الانسحاب الرسمي الأمريكي من الاتفاق النووي (يوليو 2018)، بمقدوره أن يستنتج أن إيران دخلت مع الولايات المتحدة في عملية «عض أصابع»:

الأمريكيون و«الإسرائيليون» يكثفون الضغوط والضربات المحكمة والمدروسة لاستفزاز إيران وإجبارها على ارتكاب «الرد الخاطئ»، كما يتمنّونه، وعندها يكون لدى الإدارة الأمريكية المبرر الكافي واللازم لتوجيه ضربة قوية ضد إيران، يتم تصويرها كانتصار ساحق لصالح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في معركته الانتخابية الرئاسية الصعبة.

على نفس المستوى كان بنيامين نتنياهو رئيس حكومة «إسرائيل» يضغط بكل قوته على إيران في سوريا لاستفزازها بالرد داخل «إسرائيل»، وعندها يجد المبرر الكافي هو الآخر لإقناع الرئيس الأمريكي بالاشتراك معه في القيام بعمل عسكري كبير ضد إيران.

وتحديدًا ضد منشآتها النووية يحقق الانتصار الذي يأمله نتنياهو لتوظيفه داخلياً، لتحقيق مكاسب انتخابية تمكنه من أن يبقى رئيساً للحكومة، ويفلت من المحاكمة القضائية التي تنتظره.

وفي المقابل كانت إيران تراهن على «الزمن» في أن تمضي الأشهر سريعاً ويأتي موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تأمل أن يخسرها ترامب، ومن ثم ينتهي الكابوس الذي تخشاه، ويمكنها بعد ذلك إعادة تخطيط علاقاتها بالولايات المتحدة مجددا.

يبدو أن هذه «اللعبة» وصلت الآن إلى طريق مسدود بالنسبة لكافة الأطراف.

فالرئيس الأمريكي يزداد وضعه الانتخابي تعقيداً، سواء بسبب تداعيات فيروس «كورونا» الصعبة والمتجددة، أو بسبب الحراك الشعبي المناهض لإدارته والذي فجرته عملية القتل البشعة التي تعرض لها المواطن الأمريكي جورج فلويد، على يد شرطي أمريكي.

كما أن بنيامين نتنياهو يواجه مشاكل تهدد تحالفه الحكومي مع بيني غانتس زعيم حزب «أزرق أبيض» حول موعد وحدود عملية الضم التي يجب أن تقوم بها «إسرائيل» في الضفة الغربية.

إيران تتابع ذلك وتدرك أن «اليأس» بدأ يضغط بقوة على الرئيس الأمريكي، وكذلك حال رئيس حكومة «إسرائيل»، وأن كل ما عليها هو أن «تصبر» و«تتحمل الضربات» كي تمر الأشهر الأربعة القادمة وتتخلص من «كابوس» ترامب.

لكن يبدو أن استمرار الرهان الإيراني هو الآخر أخذ يتحول تدريجياً إلى مستحيل.

لم تعد القيادة الإيرانية تمتلك ترف الرهان على خيار «الصبر الاستراتيجي» الذي تفوقت عن استخدامه طوال السنوات الماضية، خصوصاً أن الاعتداء على منشأة «نطنز» تزامن مع هجمات أخرى على مواقع شديدة الحساسية شملت منطقة أنفاق معامل لإنتاج الصواريخ الباليستية، وإشعال حريق في محطة «مذحج زرعان» للغاز في مدينة الأهواز جنوب غربي البلاد.

وقبل هذه الهجمات شنت الولايات المتحدة حملة مكثفة في مجلس الأمن، بهدف تمديد حظر السلاح المفروض على إيران الذي سينتهي رسمياً في أكتوبر المقبل.

إيران تواجه الآن بعد هذه الاعتداءات خيار «الانتظار المستحيل»، ولكنها تواجه أيضاً في الوقت ذاته، خيار «الرد الصعب».

فهي من ناحية لم تعد قادرة على الانتظار أو التلكؤ في الرد على الاعتداءات الخطرة التي تعرضت لها، وهي من ناحية أخرى غير قادرة على القيام بالرد المناسب على هذه الاعتداءات؛ لأنه سيكون بمثابة ضوء أخضر لأمريكا و«إسرائيل» بشن الحرب التي تأملانها.

التكتم والتردد الرسمي الإيراني في تسمية من ارتكب الاعتداء على منشأة «نطنز» يعكس هذا المأزق الإيراني لكن التردد في الرد لن يكون في صالح إيران، فهو قد يغري الطرفين الأمريكي و«الإسرائيلي» بتكرار الضربات «الإسرائيلية» المتلاحقة ضد إيران داخل الأراضي السورية.

لكن هذه المرة ستكون الضربات داخل الأراضي الإيرانية، أملاً في تحقيق هدفين: إما أن تستمر إيران في الصمت وعندها سيأتي الرد من الداخل الإيراني لإسقاط الشرعية، وإما أن ترد إيران بقوة على هذه الضربات وعندها ستأتي الفرصة الأمريكية و«الإسرائيلية» لتوجيه الضربة القوية.

ذلك أن معظم ما يحدث حالياً ضد إيران، يمكن أن يكون مجرد مناوشات تستهدف اقتناص الصيد السمين، وهذا هو التحدي الصعب الذي يواجه إيران الآن.

* د. محمد السعيد إدريس مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

المصدر | الخليج - الشارقة