السبت 11 يوليو 2020 10:32 ص

عن تراجع الدولار في مصر

البنك المركزي لن يغامر بالاحتياطي للدفاع بقوة عن الجنيه وتحسين سعره.

عادت الأموال الساخنة إلى مصر للاستثمار في أدوات الدين مثل الأذون والسندات.

قروض متتالية أوقفت تراجع احتياطي البلاد الأجنبي الموجه لسداد أعباء الديون الخارجية وتمويل واردات السلع الرئيسية.

ما زالت تأثيرات كورونا مستمرة على إيرادات النقد الاجنبي والبنك المركزي لن يغامر بالاحتياطي للدفاع بقوة عن العملة المحلية وتحسين سعرها بشكل كبير.

*     *     *

دعونا نسمي الأمور بمسمياتها، الحكومة المصرية حصلت على قرض من الخارج بقيمة 5 مليارات دولار يوم 22 مايو/ أيار الماضي عبر طرح سندات دولارية في الأسواق الدولية، وفي شهر يونيو/ حزيران الماضي تم تحويل حصيلة القرض إلى حساب البنك المركزي المصري لتضاف إلى أرصدة احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.

والنتيجة كانت زيادة الاحتياطي بقيمة 2.2 مليار دولار في نهاية شهر يونيو، ليصل إلى 38.2 مليار دولار بعدما شهد تراجعاً على مدى 3 أشهر، هي مارس/ آذار وإبريل/ نيسان ومايو، فقد خلالها نحو 9.3 مليارات دولار.

كما حصلت مصر على قروض أخرى، الشهر الماضي، وصل بعضها بالفعل، في حين ستصل شرائح أخرى تباعا لتغذي الاحتياطي، من بين هذه القروض 5.2 مليارات دولار من صندوق النقد، وصل منها ملياري دولار قبل أيام، حسب تصريحات أحمد كُجوك، نائب وزير المالية، أمس الثلاثاء، و440 مليون دولار من البنك الدولي و225 مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية.

ببساطة تتم تغذية الاحتياطي الأجنبي مرة أخرى عبر الاقتراض من الخارج، وهو ما حدث خلال الفترة من 2016-2019، حيث حصلت مصر على 12 مليار دولار من صندوق النقد، كما حصلت على أضعاف هذا الرقم من جهات أخرى، منها البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية والبنك الإسلامي للتنمية وصناديق عربية وأجنبية وكذا من مستثمرين وبنوك استثمار وصناديق دولية.

وهذا الأمر يحتاج إلى وقفة بسبب الأضرار الكبيرة التي يمكن أن تلحق بالاقتصاد المصري جراء الاعتماد بشكل كبير على القروض الخارجية في تغذية احتياطي النقد الأجنبي، فالدول تغذي احتياطاتها من موارد ذاتية.

وقبل ثورة 25 يناير 2011، كوّن البنك المركزي المصري احتياطي من موارد حقيقية أبرزها إيرادات السياحة والصادرات وتحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية وقناة السويس.

هذه الشرائح المتتالية من القروض ساهمت في وقف تراجع احتياطي البلاد من النقد الأجنبي، الذي توجه حصيلته لسداد أعباء الديون الخارجية وتمويل واردات البلاد من السلع الرئيسية، كالوقود والقمح والأغذية والزيوت وغيرها، ولإحباط أي مضاربات على العملة المحلية.

التوسع في الاقتراض، ومن ثم زيادة الاحتياطي، لعبا دوراً مهماً في إيقاف موجة صعود الدولار أمام الجنيه، وهي الموجة التي بدأت تطل برأسها من جديد عقب تفشي فيروس كورونا وما أحدثه من تأثيرات خطيرة على إيرادات النقد الأجنبي.

فقد وفرت حصيلة تلك القروض سيولة دولارية ضخمة مكنت البنك المركزي من كبح جماح المضاربة على العملة المحلية ووأد السوق السوداء في مهدها بعد أن كانت تسعى للعودة بقوة مستغلة تأثيرات كورونا.

هناك عوامل أخرى ساهمت في تراجع سعر العملة الأميركية، من أبرزها تراجع الطلب على الدولار بشدة من قبل الحجاج والمعتمرين.

فقد ألغت السعودية العمرة وقصرت الحج على نحو عشرة آلاف شخص من داخل المملكة، علما أن إنفاق المصريين على رحلات الحج والعمرة يبلغ 2.5 مليار دولار سنويا، نصفها يذهب للاقتصاد السعودي، حسب أرقام غير رسمية.

كما وفر السياح المصريون الذين كانوا يتوجهون إلى أوروبا وتركيا وجنوب شرق آسيا نحو ملياري دولار تمثل قيمة إنفاق المصريين على السياحة في الخارج.

هناك عامل آخر وراء تراجع سعر الدولار تمثل في عودة الأموال الساخنة إلى مصر مرة أخرى للاستثمار في أدوات الدين، مثل الأذون والسندات.

وحسب أرقام وزارة المالية، فإن صناديق دولية ضخت 440 مليون دولار استثمارات ساخنة بمصر، يوم الاثنين الماضي، إضافة إلى عامل مهم آخر هو إعلان الحكومة عن عودة استقبال الرحلات السياحية، وهو ما سيخلق سيولة دولارية في الأسواق.

كل هذه العوامل وغيرها ستدعم الجنيه المصري في مقابل الدولار على الأمد القصير، وقد تدفع الدولار نحو التراجع في الأيام المقبلة لكن بشكل طفيف، فما زالت تأثيرات كورونا مستمرة على الاقتصاد وإيرادات النقد الاجنبي، والبنك المركزي لن يغامر بالاحتياطي للدفاع بقوة عن العملة المحلية وتحسين سعرها بشكل كبير.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي.

المصدر | العربي الجديد