حرب اغتيالات إيرانية ضد أصدقاء أمريكا بالعراق

في رسالة مسربة للهاشمي تظهر عينة من المعلومات التي كانت تصله من عناصر بالحشد.

«الأمريكيون طلبوا منه (الهاشمي) عدم فتح ملف (حشد تلعفر) في الوقت الحالي وأن يولي اهتمامه بالعمل على إعادة النازحين».

تفريق الهاشمي بين حشد ولائي وحشد آخر موال للمرجعيات الأخرى جعلته يتعامل بثقة مفرطة مع قيادات في الحشد وشت به.

حرب بين تيار شيعي مقرب من واشنطن وتيار شيعي يرتبط بطهران ويمثل الدولة العميقة وأحزاب شيعية تقليدية ويهيمن على الحشد والأجهزة الأمنية.

*     *     *

يوما بعد يوم تتكشف محدودية قدرات حكومة مصطفى الكاظمي وتياره، في مواجهة دولة الميليشيات الشيعية العميقة، المرتكزة على الأحزاب والقوى الشيعية التقليدية وزعمائها، وأبرزهم المالكي والعامري والخزعلي، والمرتبطة أيضا بتحالف عضوي مع إيران.

آخر التسريبات التي نشرت عن الضغوط التي تعرض لها الكاظمي، إبان اعتقاله لعناصر حزب الله، ذكرها النائب السابق والقيادي السابق في الحشد الشعبي مشعان الجبوري، المعروف بعلاقاته الوطيدة مع أبو مهدي المهندس وقادة الحشد.

إذ أكد الجبوري في لقاء تلفزيوني، ما كنا قد أشرنا له سابقا، من أن حكومة الكاظمي ضعيفة، ولا تستطيع الخروج على الخطوط العريضة، التي وضعها من اختارها من قادة القوى الشيعية التقليدية، وأن «عملية الدورة» لاعتقال عناصر حزب الله، كانت مجرد «شو إعلامي» لتلميع صورة الكاظمي أمام الدوائر الغربية.

وبعد أن توقع الكاظمي الاستفراد بـ«حزب الله» العراقي، فوجئ بتضامن كل فصائل الحشد مع عناصر حزب الله، واقتحامهم المنطقة الخضراء، ليطلب الكاظمي من مسؤول حماية المنطقة الخضراء إخراج عناصر الحشد من المنطقة الخضراء، ومن مقر قديم فيه لمكافحة الإرهاب.

لكن الضابط العسكري (الذي أقاله الكاظمي لاحقا) رفض تنفيذ أوامر الكاظمي، ولم يصطدم بـ«قوات أبوفدك» ما اضطر الكاظمي للاتصال بالمالكي، الذي تدخل لإجراء تسوية تمثلت بإطلاق سراح المعتقلين من حزب الله، لنشاهد لاحقا المشهد المفاجئ لعناصر حزب الله وهم يدوسون صور قائدهم العام، رسميا على الأقل.

الراحل هشام الهاشمي، كان من أشد المتحمسين لهجوم «الدورة» حينها، رغم أنه اشتهر بتأييده الشديد والمعلن سابقا للحشد الشعبي، وبعلاقته الجيدة مع أبو مهدي المهندس.

إلا أنه بات في الفترة الأخيرة مهتما بانتقاد ومهاجمة الفصائل الأكثر قربا من إيران في الحشد الشعبي، ممن يطلق عليهم إعلاميا «الفصائل الولائية» وكان يبلغ أصدقاءه باستمرار، أنه دائم التنسيق والعمل مع الجانب الأمريكي ضد هذه الفصائل!

وظهرت عدة رسائل له يتحدث فيها صراحة عن تنسيقه المستمر معهم، وحصوله على معلومات من أصدقائه داخل الحشد. فهو يقول مثلا في إحدى رسائله المكتوبة عن حشد تلعفر شمال العراق إن «الأمريكيين طلبوا منه عدم فتح هذا الملف في الوقت الحالي، وأن يولي اهتمامه بالعمل على إعادة النازحين».

فيبدو أن سبب اغتياله لم يكن يتعلق فقط بانتقاداته الحادة للحشد وإيران، فالحالة السياسية العراقية أصلا منقسمة لتيارين:

أحدهما يرفض الحشد، ويصرح بذلك علنا من خلال أعضاء البرلمان والسياسيين، ولم يتعرضوا للاغتيال، وما حصلنا عليه من معلومات بعد مقتله، تشير إلى أن سبب اغتياله يعود لاتهامات بحقه من قبل قياديين في الحشد، بأنه يتعاون مع الجانب الأمريكي ضد الحشد، بتسريب معلومات ذات حساسية أمنية عالية لهم، ومحاولة اختراق الحشد أمنيا، من خلال علاقاته ببعض القيادات والعناصر فيه، الذين كان يصفهم بأصدقائه وثقاته.

لكن ما حصل حسب التسريبات هو أن مصادره في الحشد، هم من أبلغوا عنه قيادة الحشد، وهكذا فإنه إن صحت هذه الرواية، التي جاءت من مصادر مطلعة للغاية، فإن سياسة الهاشمي بالتفريق بين حشد ولائي وحشد آخر موال للمرجعيات الأخرى، جعلته يتعامل بثقة مفرطة مع قيادات في الحشد.

في حين كانوا في الواقع على علاقة وطيدة أيضا بقيادات مرتبطة بإيران، وشت به، حسبما يتردد، وبعد مقتل أبومهدي المهندس، فقد الهاشمي الحماية التي كان يوفرها له المهندس، فرُفِع الغطاء عنه.

وفي رسالة أخرى مسربة للهاشمي، تظهر عينة من المعلومات التي كانت تصله من عناصر بالحشد، يرتبطون بعلاقة طيبة معه، وهذه المعلومات عن مصادر التمويل أزعجت بلا شك قيادة الحشد، يقول في المحادثة ما نصه «مصادر تمويلهم هي منفذ الشلامجة الحدودي، وسيطرة على الصفرة وميناء أم قصر وسيطرة كاملة على حقل نفط خانة».

وهم المسيطرون حصريا على ثلاثة معامل لصناعة المخدرات، نوع كريستال في البصرة/ التنومة، ولديهم مزارع واسعة في اللطيفية والزعفرانية لزراعة الحشيشة «القنب الهندي» ولديهم مصرف وشركة تحويل مالي لغسيل الأموال، مسجلة باسم الدكتور علي المؤمن، القيادي في حزب الدعوة جناح المالكي.

ولديهم مركز إعلامي ومعهد أبحاث بالشراكة مع مركز البيان التابع لجناح المالكي، ولديهم شراكة مع فرحان الياسري المليونير العراقي المسيطر على الأعمال الفندقية، ولديهم سيطرة على سوق النهران للسلاح بالشراكة مع ياسين مجيد، سكرتير المالكي.

وأيضا لديهم مول «الواحة» ومول «زيونة» و«مول النخيل» بالشراكة مع الدكتور خليل مخيف الربيعي» وكل ما ورد من أسماء هو على ذمة الهاشمي، ولم يتسن بعد التحقق وأخذ ردود من الشخصيات الواردة أسماؤها.

هي حرب إذن بين تيار شيعي عراقي مقرب من واشنطن، كحليف مفضل على طهران، يمثل الكاظمي أحد وجوهه، والهاشمي أحد أنصاره، وتيار شيعي اخر يرتبط بطهران أكثر، يمثل الدولة العميقة والأحزاب الشيعية التقليدية، ويهيمن على الحشد ومفاصل الأجهزة الأمنية.

ومن الواضح أن اغتيال الهاشمي تضمن أيضا رسالة للكاظمي، وكما يقول بعض المقربين من قادة الحشد، إنهم أرادوا إظهار أن «الأمريكيين لن ينجحوا بحماية أنصارهم في العراق».

لكن اللافت حقا، هو تقاعس الأمريكيين عن مناصرة أصدقائهم في العراق من هجمات إيران وحلفائها، فقبل اغتيال هشام الهاشمي، تعرض نائبا رئيس الجمهورية والحكومة بعهد المالكي، طارق الهاشمي ورافع العيساوي، للطرد والإبعاد من العراق، رغم أنهما من أبرز أصدقاء واشنطن في حكومة بغداد سابقا، مع لائحة اتهامات طويلة بقضايا إرهاب.

وقبل العراق، تعرض لبنان لموجة تصفيات واغتيالات بدأت عام 2005 باغتيال الزعيم السني البارز رفيق الحريري، تبعها اغتيال العديد من الشخصيات المعادية للوجود السوري والنفوذ الإيراني في لبنان.

ورغم مطالبة الأمريكيين والفرنسيين والسعوديين بالتدخل لحماية حلفائهم في لبنان من الغزو الإيراني، ورغم تشكيل محكمة دولية بخصوص اغتيال الحريري، واتهام اعضاء من حزب الله بالجريمة، لم يحدث شيء ذو قيمة فعلية لتغيير المسار الإيراني في لبنان، بل على العكس ازداد نفوذ حزب الله واعتذر جنبلاط لدمشق واعتذر سعد الحريري لقاتل والده وصافحه في دمشق!

قد يتكرر هذا المسار في العراق، وستواصل إيران وحلفائها تعميق نفوذها في بغداد، ما دام خصوم إيران في العراق كما لبنان، لم يتقنوا للآن إدارة النزاع ولغة الحرب للجم جموح طهران.

* وائل عصام كاتب صحفي فلسطيني

المصدر | القدس العربي